فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 320

ليس المقصود أن المؤمنين حين يرون ربهم أنهم يكيفونه، بل هو سبحانه وتعالى لا تحيط به الأبصار، ولهذا قال سبحانه وتعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام:103] ، والمتأولة احتجوا بهذه الآية على أن الله تعالى لا يرى، وإذا كان المتأولة هم أهل اللغة فإن الرؤية غير الإدراك؛ فأصحاب موسى لما لحقهم فرعون كانوا يرونه، فلما خشوا أن يلحق بهم فرعون قالوا لموسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:61] ، فلو كان الإدراك بمعنى الرؤية لكان قولهم: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:61] خطأ؛ لأنهم يرونهم، ففرعون وقومه يرونهم، ومع ذلك قال موسى عليه الصلاة والسلام: (كلا) ، أي: لا ندرك، ولو كان المعنى (كلا لا نُرى) لكان الكلام أيضًا غير صحيح؛ لأنهم رأوهم ولم يدركوهم بإذن الله تعالى، وذلك لما أذن الله تعالى لموسى بأن يضرب بعصاه البحر.

إذًا: أحيانًا أنت ترى الشيء ولا تدركه، بل القمر، أو الشمس، أو الكوكب، أو الجبل العظيم نراه، لكن لا ندركه.

إذًا: قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام:103] آية عظيمة دالة على الرؤية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإنه قال في أحد مقاماته: ما احتج النفاة بدليل إلا ودل على ضد قولهم، فهذه الآية: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام:103] احتج بها المعتزلة وهي دليل على ضد قولهم؛ لأن قوله: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام:103] نفي، والله سبحانه وتعالى لا يوصف إلا بما يتضمن مدحًا، فلو كان المعنى أنه لا يُرى أبدًا لم يكن ذلك مدحًا، لكن لما قال: (لا تُدْرِكُهُ) دل على أن نفي الإدراك مع ثبوت الرؤية هو أعظم المدح لله سبحانه وتعالى، فدلت الآية على هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت