قال المصنف رحمه الله: [يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، قال الله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] ] .
وهذا لبيان قضية مهمة جدًا متعلقة بالقدر ألا وهي: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم العباد؛ لأن الوهم قد يخطر أحيانًا عند الإنسان، فيقول: إذا أثبتنا هذه المراتب الأربع لله، وكان ما يفعله العباد مكتوبًا، فلماذا يعذب هؤلاء وينعم هؤلاء؟ ولماذا فرق بينهم؟ فنقول هنا: إن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء برحمته، فهو الذي يمن على عباده ويتفضل عليهم، فمن هداه الله ووفقه للهداية فهذه منة من الله، وقد يمن الله سبحانه وتعالى بما هو أخص من ذلك، مثلما منَّ الله سبحانه وتعالى على الرسل بإرسالهم، قال عز وجل: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء:54] ، فهو الذي اختار هؤلاء الرسل، فإذا منَّ الله على رسول فلا يجوز لإنسان أن يعترض، ويقول: لماذا اخترت محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أن يكون رسولًا، ولم تختر فلانًا أو فلانًا، كما قال بعض المشركين! إذًا: اصطفاء الله لرسله منة، وهداية الله لعباده منة، ومن ثمَّ فإن الذي هداه الله سبحانه وتعالى يجب عليه أن يعترف بهذه المنة، وأن يشكر ربه سبحانه وتعالى عليها شكرًا عظيمًا، ولهذا فنحن نحمد الله سبحانه وتعالى أن جعلنا مسلمين، فليس بيننا وبين الله نسب، فهاهي أمم الأرض تموج؛ فيها الملاحدة، وفيها اليهود، وفيها النصارى، وفيها عباد الأوثان وغيرهم، ويبلغون الملايين، وتفوق أعدادهم أعداد المسلمين.
إذًا: من منَّ الله عليه بالهداية فذلك برحمته.
قوله: (ويضل من يشاء بحكمته) ، هذا هو الشاهد، وهو أنه سبحانه وتعالى يضل من يشاء، لكن له حكمة في ذلك، فهو سبحانه وتعالى لا يظلم العبد، فقد أقام عليه الحجة، وأعطاه الإرادة والقدرة، وأنزل إليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، حتى وضحت لديه المحجة، ووضح لديه الطريق.
ولهذا فإن مما يجب أن يقطع به أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا؛ لأنه ليس بحاجة إلى الخلق، وهذه قضية ربما نشير إليها بعد قليل، لكن أشير هنا إلى أنه سبحانه وتعالى يضل من يشاء بحكمته؛ فله الحكمة البالغة؛ لأنه هو الذي اختار أن يوجد أهل الضلال وأهل الإيمان، ولو شاء لجمعهم على الهدى، لكنه اختار أن يكونوا منقسمين هكذا لحكمة يريدها سبحانه وتعالى، فما هي هذه الحكمة؟ هذه الحكمة قد تكون سرًا من أسراره؛ فإن الله سبحانه له الإرادة المطلقة، كما قال عن نفسه {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] ، ونحن قد نتلمس شيئًا من حكم الله سبحانه وتعالى في ذلك، والله سبحانه وتعالى خلق الخلق وأوجدهم على هذه الحالة لتظهر آثار العبودية، وآثار الطاعة، ولهذا تجد أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يخلق شرًا محضًا لا خير فيه، وإنما يخلق الله سبحانه وتعالى الشر النسبي؛ حيث يكون شرًا لبعضهم، لكنه خير لبعضهم الآخر.
فمثلًا: إبليس شر، فقد يقال: لماذا خلق الله إبليس؟ فنقول: خلقه لحكمة أرادها، ونقول أيضًا: خلقه ليبتلي به عباده، فكيف يميز المطيع من العاصي، وكيف يكون الإنسان لربه مطيعًا، وكيف يكون أنين المذنبين، واستغفار المستغفرين، وعبادة العابدين، وتوبة التائبين لو لم يكن هناك ابتلاء وامتحان بإغواء إبليس؟! ولو نظرنا أيضًا إلى بعض مخلوقات الله لوجدنا أن لله فيها حكمة، فمثلًا: لو جاء واحد وقال: لماذا خلق الله الأفعى أو العقرب، وليس فيها خير أبدًا؛ بل إن ضررها كبير؟ فنقول: بل خلقها لحكم لا نعلمها، وإن كنا قد نلمس فيها شيئًا من الحكم، فقد يكون فيها أدوية وشفاء، وقد تكون سببًا للدغ إنسان فيكون شهيدًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واللديغ شهيد) .
إذًا: لا يوجد شيء خلقه الله سبحانه وتعالى إلا وله فيه حكمة، وأذكر أن أحد الوعاظ دخل على أحد خلفاء بني العباس، فلما دخل عنده وجلس أمامه تسلط ذباب على الخليفة، وصار هذا الذباب يقع على أنف الخليفة، ثم يخرج فيرجع مرة ثانية، ويخرج ويرجع، ويخرج ويرجع، حتى ضاق منه.
فقال هذا الخليفة لهذا الواعظ: لماذا خلق الله الذباب؟ فاستحضر الواعظ إجابة لطيفة قال له فيها: خلقه الله ليذل به أنوف الجبابرة! فأعطاه حكمة حاضرة لديه الآن أنه إن تكبر فهذا من أصغر المخلوقات يذله، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ} [الحج:73] .
إذًا: بنص القرآن أن الحكمة في خلق الذباب أن الله سبحانه وتعالى جعله بلاءً، يبتلي به عباده المؤمنين، وهكذا في بقية ما خلقه الله سبحانه وتعالى.
إذًا: هو سبحانه وتعالى يضل من يشاء بحكمة، لكنه لا يجبر العباد، ولذا فإن العبد هو الذي يختار ويفعل.