الصفحة 100 من 163

قوله: (وبالسنة) أي ويجوز نسخ السنة بالسنة، وهذا هو النوع الثالث، وهو أن يكون الناسخ سنة والمنسوخ سنة، ومثاله حديث بريدة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (1) فقوله:"كنت نهيتكم"يدل على أن النهي ثابت بالسنة.

قوله: (ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر) أي ويجوز نسخ المتواتر من الكتاب أو السنة. بالمتواتر. فهما قسمان:

الأول: نسخ الكتاب بالسنة بالمتواترة.

الثاني: نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة.

أما الأول فمذهب الجمهور جوازه. وذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه إلى عدم الجواز. احتج الجمهور بأن الكل وحي من الله. واستدل الشافعي بقوله تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } (2) والسنة ليست خيرًا من القرآن ولا مثله (3) .

والراجح - والله أعلم - الجواز، لأن الناسخ حقيقة هو الله عز وجل على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن كل ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحكامه من الله. قال تعالى: { وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) } (4) ومحل النزاع الحكم وليس اللفظ، وعليه فإن لفظ (بخير منها أو مثلها) يكون من السنة كما يكون من القرآن. فالأحكام كلها من الله تعالى (إن الحكم إلا لله) والله أعلم.

وقد مثلوا لذلك بقوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين } (5) فنسخت هذه الوصية للوالدين بحديث"لا وصية لوارث". فإن الإجماع منعقد على معنى هذا الحديث.

(1) تقدم تخريجه ص86 وانظر تحفة الأحوذي (4/158) .

(2) سورة البقرة، آية: 106.

(3) الرسالة للشافعي (1/106، 108) وقد روى ذلك الحازمي عن الشافعي وأحمد بسند متصل إليهما في كتابه (الاعتبار ص57) .

(4) سورة النجم، الآيتان: 3، 4.

(5) سورة البقرة، آية: 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت