فهرس الكتاب
قوله: (ونسخ السنة بالكتاب) هذا النوع الثاني وهو أن سكون الناسخ قرآنا والمنسوخ سنة. وهذا قول الجمهور. لأن القرآن والسنة من عند الله تعالى. غير أن القرآن متعبد بتلاوته. والسنة غير متعبد بتلاوتها. ونسخ حكم أحد الوحيين غير ممتنع.
ومثاله: إن المباشرة والأكل والشراب في ليالي الصيام كانت محرمة بالسنة. لما ورد في حديث ابن عباس"كان الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة" (1) . فنسخ ذلك بقوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن } (2) .
ومنع الشافعي رحمه الله هذا النوع في إحدى روايتيه لقوله تعالى: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } (3) والناسخ بيان للمنسوخ. فلو كان القرآن ناسخًا للسنة لكان القرآن بيانًا للسنة. وهذا لا يجوز.
والصحيح قول الجمهور لوقوعه، وأما الآية فلا يتم الاستدلال بها على المنع، لجواز أن يكون المراد من قوله (لتبين) : لتبلغ. والتبليغ عام، فحمل الآية عليه أولى.
(1) تحريم الأكل والشرب والمباشرة ورد في حديث ابن عباس مقيدًا بصلاة العشاء. وورد في حديث البراء بن عازب الذي رواه البخاري (4/129) تقيد ذلك بالنوم. وهو كذلك في سائر الأحاديث ولعل ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالبًا وحديث ابن عباس رواه أبو داود (6/425) عون المعبود).
(2) سورة البقرة، آية: 187.
(3) سورة النحل، آية: 44.