فهرس الكتاب
وقد ذهب المؤلف رحمه الله في كتابه (البرهان) إلى جواز نسخ الكتاب والسنة. وذكر ما يؤيد ذلك (1) .
قوله: (ولا المتواتر بالآحاد) أي لا يجوز شرعًا نسخ المتواتر كالقرآن والسنة المتواترة بالآحاد. لأنه دونه في القوة، لأن المتواتر قطعي والآحاد ظني، والشيء إنما ينسخ بمثله، أو بما هو أقوى منه. كما تقدم.
وهذا مذهب الجمهور. وذهب جماعة من أهل الظواهر منهم ابن حزم إلى جوازه، وهي رواية عن أحمد. وهو الراجح إن شاء الله، لأن القطعي هو اللفظ ومحل النسخ هو الحكم. ولا يشترط في ثبوته التواتر. لأن الدلالة باللفظ المتواتر قد تكون ظنية. لجواز أن يكون المراد غير ذلك فحينئذ لم يرفع الظني إلا بالظني.
ومثال ذلك: ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء في الصلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه القرآن. وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (2) .
ووجه الدلالة: أن وجوب التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة المتواترة، لأنه لم يوجد في القرآن ما يدل عليه. وهؤلاء قبلوا خبر الواحد وعملوا به في نسخ ما تقرر عندهم بطريق العلم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليهم، فدل على الجواز. والله أعلم.
التعارض بين الأدلة
(إذا تعارض نطقان فلا يخلو: إما أن يكونا عامين، أو خاصين، أو أحدهما عاما والآخر خاصًا، أو كل واحد منهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه. فإن كانا عامين وأمكن الجمع بينهما جمع، وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ. فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر، وكذلك إن كانا خاصين. وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصًا فيخصص العام بالخاص. وإن كان كل واحد منهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه فيخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر) .
(1) البرهان (2/851) .
(2) أخرجه البخاري (395) ومسلم (526) .