الصفحة 119 من 163

أي لم تبلغ نقلته مبلغ الخبر المتواتر، سواء كان المخبر به واحدًا أو اثنين أو أربعة أو خمسة أو غير ذلك من الأعداد التي لا تشعر بأن الخبر دخل في حد التواتر.

قوله (يوجب العمل) أي يجب العمل بما تضمنه خبر الآحاد بتصديقه إن كان خبراء، وتطبيقه إن كان طلبًا، بشرط صحته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا فرق في ذلك بين الأحكام والعقائد على القول الصحيح، لعموم الأدلة في وجوب العمل بخبر الواحد، ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (1) .

فهذا دليل ظاهر في العمل بخبر الواحد، فإن الصحابة رضي الله عنهم تحولوا عن بيت المقدس على الكعبة بخبر الواحد، فصدقوا خبره، وعملوا به.

ومن الأدلة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث الآحاد إلى النواحي والقبائل لتبليغ الأحكام الشرعية، فلولا أنه يجب العمل بخبرهم لم يكن لبعثهم فائدة.

ومن الأدلة أن الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على قبول خبر الواحد والعمل به في وقائع لا يمكن حصرها، فقد رجعوا إلى الغسل من الوطء من غير إنزال إلى قول عائشة رضي الله عنها. وفي توريث الجدة إلى قول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة وغير ذلك كثير (2) .

يقول النووي: (وقد تظاهرت دلائل النصوص الشرعية والحجج العقلية على وجوب العمل بخبر الواحد، وقد قرر العلماء في كتب الفقه والأصول ذلك بدلائله، وأبلغوه أبلغ إيضاح، وصنف جماعات من أهل الحديث وغيرهم مصنفات مستكثرات في خبر الواحد ووجوب العمل به، والله أعلم) (3) .

(1) أخرجه البخاري رقم 395 ومسلم رقم 526. وتقدم ذكره.

(2) انظر روضة الناظر مع شرحها (1/268) .

(3) شرح النووي على صحيح مسلم (1/177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت