الصفحة 120 من 163

وقال أيضًا: (فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع، يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل . . ) (1) .

واعلم أن التفريق بين العقائد والأحكام في الاستدلال بأحاديث الآحاد قول غريب محدث، لا دليل عليه من كتاب ولا سنة. بل هو مخالف لما عليه سلف الأمة، فإن الأدلة التي يستدل بها على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام الشرعية هي أدلة على وجوب الأخذ بها في العقائد لعمومها، ومن أدعى تخصيصها بالأحكام فعليه الدليل (2) .

قوله: (ولا يوجب العلم) هذا قول الجمهور: أن الآحاد لا تفيد العلم، بل تفيد الظن، وهو رجحان صحة نسبتها إلى من نقلت عنه، ويختلف هذا باختلاف رتبتها فالصحيح لذاته ليس كالحسن لغيره. وهكذا.

وذلك بأنه لو أفاد خبر كل واحد العلم لصدقنا كل خبر نسمعه، ونحن لا تصدق كل خبر نسمعه، فدل على أنه لا يفيد العلم، ولأن أعدل رواة الآحاد يجوز في حقه الكذب والغلط، فالقطع بصدقه مع تجويز الكذب والغلط عليه لا معنى له.

وهناك قول آخر، وهو أن أخبار الآحاد تفيد العلم، وهو مذهب الظاهرية، وقد نصره ابن حزم (3) . وهو قول جماعة من أهل الحديث، ولهم أدلة ذكرها ابن القيم في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) (4) .

والمختار أن أخبار الآحاد تفيد الظن، وربما أفادت العلم بالقرائن مثل أن تتلقاه الأمة بالقبول تصديقًا له وعملًا به، أو كونه مرويًا في الصحيحين، ونحو ذلك، والله أعلم.

(1) المصدر السابق (1/246) .

(2) انظر أصل الاعتقاد ص57 رسالة الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للألباني.

(3) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (1/107) .

(4) انظر أصل الاعتقاد للدكتور عمر الأشقر ص42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت