الصفحة 127 من 163

والصواب مع الجمهور، فإن القياس يثير ظنًّا غالبًا يعمل به في الأحكام الشرعية، وقولهم: لا يفيد إلا الظن، نقول: خبر الواحد ونحوه لا يفيد إلا الظن في الأصل، ومع هذا يستدل به.

وقد دل على اعتبار القياس دليلًا كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة، قال تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } (1) ، الميزان ما توزن به الأمور ويقايس به بينها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والقياس الصحيح من العدل. فإنه تسوية بين متماثلين. وتفريق بين المختلفين . .) (2) .

ومن السنة ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (يا رسول الله ولد لي غلام أسود. فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال. ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق) (3) متفق عليه.

قال ابن العربي: (فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير) (4) .

ومن أقوال الصحابة ما ورد في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قاضيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وفيه (ثم الفهم فيما أدلى عليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قياس الأمور عندك واعرف الأمثال. ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق . . ) (5) .

(1) سورة الحديد، آية: 25.

(2) مجموع الفتاوى (19/288) .

(3) أخرجه البخاري رقم 4999 ومسلم رقم 1500.

(4) فتح الباري (9/444) .

(5) هذا الكتاب من عمر رضي الله عنه كتاب جليل القدر تلقاه العلماء بالقبول. وقد شرحه ابن القيم رحمه الله في أعلام الموقعين. وفي مجلة البحوث الإسلامية العدد السابع عشر تحقيق هذا الكتاب وبيان ما تضمنه من توجيهات للقضاة للدكتور ناصر الطريفي ص196 - 254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت