فهرس الكتاب
ولا حاجة لقول المصنف (لفظًا) لأنه إذا انتقض معنى انتقض لفظًا، بل لو اقتصر المصنف على قوله (فلا تنتقض) لكفى، لأن العلة لا تكون إلا معنى، والألفاظ دالة عليها، ولعله جمع بينهما للإيضاح والتأكيد، أي فلا ينتقض لفظ العلة ولا معناها (1) أو يقال: إن كانت العلة مركبة من عدة أوصاف نظر إلى اللفظ، وإن كانت أمرًا واحدًا نظر على معنى. وسيأتي إن شاء الله مثال ذلك (2) .
واعلم أن المصنف عمم النقض، وهو تخلف الحكم، سواء كان المانع أو لغير مانع، فيفسد القياس، وهو ما مشى عليه في جمع الجوامع (3) . ونقله عن الشافعي واختاره جماعة. ويرى آخرون أن تخلف الحكم عن الوصف فيه تفصيل: فإن كان لأجل مانع منع من تأثير العلة أو لفقد شرط تأثيرها، فلا يكون ذلك مبطلًا للعلة، بل هو تخصيص لها، وإلا فهو نقض وإبطال. وبه قال التلمساني في مفتاح الوصول، ونسبة الشنقيطي لأكثر العلماء (4) .
ومثال النقض أن يقال: القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعًا، لكن ينتقض ذلك بقتل الوالد ولده، فإنه لا يجب القصاص، فلا يقتل به مع وجود العلة، وهي الأوصاف الثلاثة: القتل، والعمد، والعدوان. فيقال: إن العلة تخلفت لمانع وهو الأبوة، لأنها مانعة من تأثير العلة في الحكم، فلا يقال هذه العلة منقوضة لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة، بل هي علة منع من تأثيرها مانع، فلا تبطل في غير الأب، فكلما وجد القتل العمد العدوان من غير الأب ونحوه وجب القصاص، حيث لا مانع من تأثيرها. وهذا نقض على رأي الأولين، وتخصيص على القول الثاني.
ومثال فقد الشرط: الزنا علة الرجم إجماعًا. وشرطه: الإحصان. فإذا تخلف الحكم - وهو الرجم - مع وجود العلة - وهي الزنا - فلا يقال: إنها علة منقوضة، بل علة تختلف شرط تأثيرها.
(1) انظر الشرح الكبير (2/493) .
(2) انظر قرة العين للحطاب ص75.
(3) جمع الجوامع بحاشية البناني (2/294) .
(4) مفتاح الوصول ص142، أضواء البيان (2/258، 3/479) .