فهرس الكتاب
قوله: (والعلة هي الجالبة للحكم) هذا أحد تعاريف العلة، وهي الركن الرابع من أركان القياس كما تقدم.
ثم إن أريد بالجالبة للحكم أي بذاتها فغير صحيح، لأن الله تعالى لا يحمله على شرع الحكم سوى إرادته جل وعلا، يخلق ما يشاء ويختار.
وإن أريد أن الشارع جعلها جالبة للحكم فهذا لا بأس به. ولكن التعبير (بالمعرفة للحكم) أولى من الجالبة للحكم للاحتمال المذكور، وذلك لأن العلة معرفة لوجود الحكم، فمتى عرفت العلة عرف ثبوت الحكم معها، بسبب أن بينهما مناسبة تقتضي ترتيب الحكم عليها، فالإسكار علة أي أن هذا الوصف علامة معرّفة على حرمة المسكر كالخمر والنبيذ. فالخل قبل أن يصير مسكرًا مباح، فإذا ظهرت فيه القوة المسكرة وصار خمرًا حرم. فعلة التحريم وهي الإسكار تدل على ترتب الحكم عليها وتعلقه بها، فإن وجدت وجد، وإن لم توجد لم يوجد الحكم.
قوله: (والحكم هو المجلوب للعلة) هذا تعريف الحكم وهو أحد أركان القياس كما تقدم.
ومعنى ذلك أن الحكم هو ما جلبته العلة واقتضته من تحريم وتحليل وصحة وفساد ووجوب وانتفاء ونحو ذلك، فتحريم الخمر حكم شرعي اقتضته العلة وهي الإسكار. وإنما كان الحكم مجلوبًا للعلة لمناسبتها له، فإنه ما ثبت حكم الأصل في الفرع إلا بسبب هذه العلة والله أعلم.
الحظر والإباحة
(وأما الحظر والإباحة فمن الناس من يقول: إن أصل الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة. فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر. ومن الناس من يقول: بضده، وهو أن الأصل في الأشياء على الإباحة إلا ما حظره الشرع [ومنهم من قال بالتوقف] ) .
قول (وأما الحظر والإباحة) معطوف على قوله في أول الورقات (وأما أقسام الكلام) فهو من جملة ما أراد تفصيله بعد إجماله.