الصفحة 149 من 163

قوله: (فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدًا) أي: لأننا لا نعلم مأخذ قوله من الاجتهاد أو من الوحي، وإن قلنا إنه لا يجوز له أن يجتهد فلا يسمى قبوله تقليدًا، لأنا نعلم أن ما يقوله يقوله عن وحي. فلا ينطبق عليه هذا التعريف.

والصحيح أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجوز له الاجتهاد، ولا يسمى قبول قوله تقليدًا كما تقدم.

أما الاجتهاد في أمر الدنيا فهو جائز وواقع بالإجماع، كما حكاه ابن حزم وغيره (1) مثل قصة اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - في تأبير النخل (2) وأما أمر الشرع فعلى أصح الأقوال لقوله تعالى: { وشاورهم في الأمر } (3) وطريق المشاورة: الاجتهاد. ولأنه قد وقع كما في قصة أسارى بدر (4) وكما في رجوعه - صلى الله عليه وسلم - لقول العباس في قوله: (إلا الأذخر) كما تقدم في مباحث الاستثناء في باب التخصيص، ولو كان ذلك بوحي لم يتغير، فدل على أنه باجتهاد والله أعلم.

الاجتهاد

(وأما الاجتهاد فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض. فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب. ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول [الكلامية] مصيب، لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين. ودليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيبًا قوله - صلى الله عليه وسلم -"من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد". وجه الدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطّا المجتهد تارة وصوبه أخرى [والله سبحانه أعلم] ) .

(1) انظر الأحكام لابن حزم (2/703) وإرشاد الفحول (ص255) .

(2) أخرجه مسلم رقم 2363.

(3) سورة آل عمران، آية: 159.

(4) أخرجه مسلم رقم 1763.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت