لما تكلم عن التقليد وشروط المجتهد، وأن الاجتهاد يجب على من اجتمعت فيه شروطه ذكر تعريف الاجتهاد، لأن الاجتهاد يقابل التقليد. وهو لغة: بذل الجهد (1) واستفراغ الوسع لإدراك أمر شاق. ولا يستعمل إلا فيما فيه مشقة. تقول: اجتهد في حمل الصخرة. ولا تقول: اجتهد في حمل العصا.
واصطلاحًا عرفه بقوله: (بذل الوسع في بلوغ الغرض) والوسع: بضم الواو: الطاقة والقوة (2) .
وهذا تعريف عام، هو التعريف اللغوي أقرب، فلابد من تقييده بالحكم الشرعي، لأن المراد البحث في الاجتهاد الذي هو طريق لإثبات حكم شرعي. فيكون المراد بالغرض: الحكم الشرعي المطلوب. ولو قيده بالفقيه وقال: بذل الفقيه وسعه لبلوغ الغرض لكان كافيًا، كما في جمع الجوامع، لأن الفقيه لا يتكلم إلا في الأحكام الشرعية. وللمجتهد شروط تقدم أكثرها في الكلام على المفتي.
قوله: (فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد . . ) أي: محصلًا لجميع آلات الاجتهاد كما تقدم بيانه، فيكون مستقلا بمعرفة الأحكام. والظاهر أن مراده المجتهد المطلق. لأنه هو الذي يكون كامل الآلة، ويكون بذلك احترز من مجتهد المذهب ومجتهد الفتوى (3) وإن لم يتقدم لهما ذكر، وإن كان الذي يظهر جريان الحكم المذكور فيهما، أو يكون لدفع توهم بعض المسامحة في بعض شروط الاجتهاد، وعلى كل فلو أسقط قوله (إن كان كامل الآلة) لكان أولى والله أعلم.
قوله: (فإن اجتهد في الفروع) المراد بها المسائل الفقهية الظنية التي ليس فيها دليل قاطع. لأن هذا هو موضع الاجتهاد.
(1) الجهد بالضم الجيم: الطاقة. وبفتحها: المشقة. انظر اللسان (3/133) مادة (جهد) .
(2) المصباح المنير (2/659) .
(3) المجتهد المطلق من توفرت فيه شروط الاجتهاد. ومجتهد المذهب هو العالم بمذهب إمامه المتمكن من تخريج ما لم ينص عليه إمامه على منصوصه ومجتهد الفتوى. من قصر اجتهاده على ما صح عن إمامه ولم يتمكن من تخريج غير المنصوص [انظر أعلام الموقعين 4/212] .