واعلم أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز هو المشهور عند المتأخرين في القرآن وغيره، ومنهم من قال لا مجاز في القرآن، وهو قول ابن خويز منداد من المالكية، وقول الظاهرية وابن القاص من الشافعية، ومن أهل العلم من قال لا مجاز في القرآن ولا في غيره وبه قال أبو إسحاق الأسفراييني وأبو علي الفارسي من المتقدمين كما عزاه لهما ابن السبكي في جمع الجوامع (1) ، ومن المتأخرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في رسالة خاصة بهذا (2) ، وقد نصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وبين شيخ الإسلام أن هذا التقسيم اصطلاح حادث بعد القرون المفضلة لم يتكلم به أحد من الصحابة والتابعين ولا أحد من الأئمة ولا علماء اللغة، والظاهر أن المجاز إنما جاء من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين ليكون سلما لنفي كثير من صفات الله تعالى بإدعاء أنها مجاز، وهذا من أعظم وسائل التعطيل.
كما بين الشيخ - أيضًا - بطلان هذا التقسيم، وأن من ذهب إلى ذلك فقد تكلم بلا علم وابتدع في الشرع وخالف العقل، ومما يدل على بطلان ذلك أنه لا أحد يثبت أن العرب وضعت ألفاظًا لمعان ثم استعملت هذا الوضع في معان أخر، ومن ادعى أنه يعلم وضعًا تقدم ذلك فهو مبطل (3) .
وكل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازًا فهو عند من يقول بنفي المجاز أسلوب من أساليب اللغة العربية المتنوعة، بعضها يتضح المراد منه بلا قيد، وبعضه يحتاج إلى قيد وكل منهما حقيقة في محله.
الأمر
(1) انظر جمع الجوامع (1/308) .
(2) انظر رسالة (منع جواز المجاز) ص8 المطبوعة ضمن الجزء العاشر من أضواء البيان.
(3) انظر فهارس فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (2/13) وراجع كتاب (بطلان المجاز) بقلم: مصطفى عيد الصياصنة.