قوله: (وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه إلا ما دلَّ الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيحمل عليه) هذا بيان النوع الثاني من الأوامر وهو ما اقترن بقرينة فيصرف الأمر حسب هذه القرينة، لأن صيغة الأمر لا تحمل على غير الوجوب إلا إذا وجد دليل صارف عن الوجوب إلى غيره. كالندب، ومثاله: حديث عبد الله المزني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء . . ) (1) .
أو الإباحة ومثاله قول تعالى: { وإذا حللتم فاصطادوا } (2) . والقرينة الصارفة في الأول قوله (لمن شاء) وفي الثاني هي أن الأمر بعد الحظر للإباحة لأن الاصطياد في الإحرام حرام، لقوله تعالى: { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا } (3) أي محرمين.
ومن هنا قال الأصوليون: الأمر بعد الحظر للإباحة واحتجوا بأن هذا النوع من الأمر للإباحة في أغلب استعمالات الشرع، كما مثلنا. وكقوله تعالى: { فإذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله } (4) بعد قوله تعالى: { ولا تقربوهنّ حتى يطهرن } (5) ، وقد يكون في مقام يتوهم فيه الحظر كقوله - صلى الله عليه وسلم - (افعل ولا حرج) (6) في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض وكقوله في قصة اللديغ (اقسموا واضربوا لي بسهم) (7) .
(1) أخرجه البخاري برقم 1128.
(2) سورة المائدة، آية: 2.
(3) سورة المائدة، آية:96.
(4) سورة البقرة، آية: 222.
(5) سورة البقرة، آية: 222
(6) رواه البخاري رقم 83 ومسلم 1306.
(7) رواه البخاري 2156 ومسلم 2201.