فهرس الكتاب
الشرط الثالث: أن يكون هناك موجب للتأويل. بأن يكون ظاهر النص مخالفًا لقاعدة مقررة معلومة من الدين بالضرورة، أو مخالفًا لنص أقوى منه سندًا. ومثال ذلك. قوله - صلى الله عليه وسلم:"الجار أحق بصقبه" (1) . والصقب: القرب والملاصقة. وهو المعنى الراجح. ويحتمل أن المراد الشريك. وهو المرجوح. فلما جاء حديث"إذا وضعت الحدود وصرّفت الطرق فلا شفعة" (2) منع إرادة الجار الملاصق، وتعين حمل الحديث الأول على الشريك، لأنه لا ضرب لحدود ولا صرف لطرق إلا في الشركة. أما الجيران فكل على حدوده، وطرقه. فمن حمله على الشريك قال: لا شفعة لجار، والله أعلم.
قوله: (ويسمى الظاهر بالدليل) أي أن المؤول يصير ظاهرًا بسبب الدليل، لأن الظاهر نوعان: ظاهر من جهة اللفظ، وظاهر من جهة الدليل، فهو ظاهر مقيد، ويفهم منه أن الدليل لابد أن يكون قويًّا ليكون المرجوح راجحًا، لأن مالا يصيره الدليل راجحًا لا يكون ظاهرًا. والله أعلم.
الأفعال
(فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو غير ذلك، فإن دلّ الدليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، وإن لم يدلّ لا يختص به، لأن الله تعالى يقول: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } (3) فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا. ومن أصحابنا من قال: يحمل على الندب. ومنهم من قال: يتوقف فيه. فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا).
أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أقسام السنة، لأن السنة هي قوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره. وقد ذكر هنا الأفعال ثم الإقرار وأما الأقوال فذكرها فيما بعد في باب (الأخبار) وكان الأولى بالمصنف أن يجمعها في باب مستقل كما هي طريقة كثير من الأصوليين.
(1) رواه البخاري (2139) .
(2) رواه البخاري (2099) ومسلم (1608) .
(3) سورة الأحزاب، آية: 21.