الصفحة 88 من 163

قوله: (ومنهم من قال يتوقف فيه) هذا هو القول الثالث، وهو التوقف لعدم معرفة المراد ولتعارض الأدلة. وهذا أضعف الأقوال، قال الشوكاني: (وعندي أنه لا معنى للوقف في الفعل الذي قد ظهر فيه قصد القربة. فإن قصد القربة يخرجه عن الإباحة إلى ما فوقها. والمتيقن مما هو فوقها الندب) أ هـ (1) .

والراجح - والله أعلم - هو القول بالندب، لأن القربة، طاعة وهي غير خارجة عن الواجب والمندوب، والقدر المشترك بينهما ترجيح الفعل على الترك، وهذه حقيقة المندوب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التعبد فهو عبادة، يشرع التأسي به فيه، فإذا خصص زمانًا أو مكانًا بعبادة كان تخصيصه تلك العبادة سنة . . . ) (2) .

قوله: (فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا) . هذه هي الحال الثانية للأفعال النبوية. وهو الذي لم يظهر فيه قصد القربة. ويدخل تحت هذا نوعان (3) .

ما فعله بمقتضى الجبلة والبشرية كالقيام والقعود والنوم والأكل والشرب، فهذا لا حكم له في ذاته لأنه ليس من باب التكليف، لأن التكليف فيما يمكن فعله وتركه، وهذه الأفعال ليست مشروعة لذاتها أو مقصودًا بها التأسي، لأن كل ذي روح من البشر لا يخلو عنها إلا إذا كان هذا الفعل له هيئة معينة، كصفة أكله وشربه ونومه ونحو ذلك، فهذا له حكم شرعي، كما دلت عليه النصوص.

(1) الإرشاد ص38.

(2) مجموع الفتاوى (10/409) .

(3) انظر أصول الفقه الإسلامي (1/480) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت