فهرس الكتاب
قوله (ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم) هذا النوع الأول. فينسخ اللفظ ويبقى الحكم معمولًا به. وقد ذكر الآمدي رحمه الله أن العلماء متفقون على جواز نسخ الرسم دون الحكم خلافًا لطائفة شاذة من المعتزلة (1) .
ومثال ذلك: آية الرجم. فعن عمر رضي الله عنه أنه قال:"كان فيما أنزل آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها. ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجمنا بعده . . . الحديث" (2) .
فهذا يدل على نزول آية الرجم. وأنها نسخت. وبقي حكمها لقوله: (ورجمنا بعده) .
فإن قيل: ما الحكمة من نسخ الرسم وبقاء الحكم؟ فالجواب ما نقله الزركشي في البرهان عن ابن الجوزي أنه قال: (إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به. فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، أدنى طرق الوحي) (3) أ هـ.
قوله: (ونسخ الحكم وبقاء الرسم) هذا النوع الثاني من أنواع النسخ باعتبار المنسوخ. وهو أن ينسخ الحكم الشرعي ويبقى اللفظ الدال عليه غير معمول به. وهذا أكثر أنواع النسخ.
ومثاله: قوله تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } (4) فقد دلت الآية على وجوب مصابرة العشرين من المسلمين المائتين من الكفار. ومصابرة المائة الألف. فنسخ هذا الحكم بقوله تعالى: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } (5) .
فإن قيل: ما الحكمة من بقاء التلاوة مع نسخ الحكم؟ فالجواب من وجهين:
(1) الإحكام للآمدي (3/154) .
(2) رواه البخاري (6442) ومسلم 1691). وهو حديث طويل. وانظر مقالًا في أسانيد آية الرحم. في مجلة (الحكمة) العدد السابع ص235.
(3) انظر البرهان في علوم القرآن (2/37) .
(4) سورة الأنفال، آية 65.
(5) سورة الأنفال، آية: 66.