فهرس الكتاب
ومعنى (إلى غير بدل) أن يزول الحكم السابق ولا يخلفه حكم آخر. وهذا مذهب الجمهور. ومثلوه بنسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي نجوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } (1) نسخت بقوله تعالى: { ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأٌقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة } (2) .
وقد منع هذا النوع الظاهرية. وأيّد ذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، وقال: إن القول بالنسخ إلى غير بدل قول باطل. وإن قال به جمهور العلماء، لأن الله تعالى يقول: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } (3) .
وأجاب عن آية الصدقة بأن الذي نسخ هو الوجوب، وأما الاستحباب فهو باق لم ينسخ. فالنسخ إلى بدل (4) . وورد هذا الجواب عن الكمال بن الهمام صاحب التحرير (5) .
والقول بالجواز أظهر لقوة مأخذه. وأما ما استدل به المانعون من الآية الكريمة. فعنه ثلاثة أجوبة:
الأول: أن المراد بالآية - هنا - نظم الجملة ولفظها. لورود ذلك في كتاب الله تعالى في أكثر من موضع. قال تعالى: { يتلوا عليهم آياته ويزكيهم } (6) والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يصرف اللفظ عن ظاهره. إلا بدليل. ولا دليل هنا.
الثاني: سلمنا أن المراد نسخ الحكم. وهذا لا يعارض النسخ إلى غير بدل، لأن الله تعالى عليم حكيم. فقد يكون عدما لحكم خيرًا من ذلك الحكم المنسوخ. في نفعه للناس.
(1) سورة المجادلة، آية: 12.
(2) سورة المجادلة، آية: 13.
(3) سورة البقرة، آية: 106.
(4) انظر أضواء البيان (3/362) ومذكرة الشنقيطي على الروضة ص79. وإرشاد الفحول ص187.
(5) التحرير (3/386) .
(6) سورة آل عمران، آية: 164.