الصفحة 97 من 163

الثالث: سلمنا أن المراد نسخ الحكم. لكنه عام دخله التخصيص بما نسخ إلى غير بدل. وتخصيص العموم جائز. والله أعلم (1) .

وأما إجابتهم عن آية الصدقة وأنه نسخ الوجوب وبقي الاستحباب. فهذا فيه نظر. فإن الآية (أأشفقتم) لم تثبت حكمًا تكليفيًا آخر. وكون التصدق مندوبًا إليه. إن كان بهذا الناسخ فلا دليل فيه. وإن كان بالأدلة العامة التي ندبت إلى التصديق فهذا مسلم. لكنها خاصة بالموسرين وهي عامة في جميع الأوقات. وتقديم الصدقة عند المناجاة كان واجبًا على الأغنياء والفقراء على السواء والله أعلم (2) .

قوله: (وإلى ما أغلظ وإلى ما هو أخف) أي: أن النسخ على بدل. قد يكون (إلى بدل أغلظ) أي: إلى حكم أثقل من الحكم المنسوخ. (وإلى بدل أخف) أي: أقل مشقة من المنسوخ. وبقي نوع ثالث وهو: على بدل مساوٍ. فالأنواع ثلاثة.

أما الأول: وهو النسخ إلى بدل أثقل. فجوزه الجمهور لوقوعه. ومثاله نسخ التخيير بين صيام رمضان والإطعام في قوله تعالى: { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون } (3) . نسخ بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } (4) الدال على وجوب الصيام في حق المقيم الصحيح أداء، والمسافر والمريض قضاء. وإيجاب الصيام أثقل من التخيير بينه وبين الإطعام.

ومنع ذلك بعض الظاهرية وبعض الشافعية محتجين بآيات التيسير والتخفيف ورفع الحرج عن هذه الأمة. كقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (5) وقوله تعالى: { يريد الله أن يخفف عنكم } (6) ولا تخفيف في نسخ الأخف إلى الأثقل، بل هو التثقيل. وإرادة العسر.

(1) انظر الإحكام للآمدي (3/149، 150) ، المحصول للرازي (1/3/479) .

(2) انظر كتاب (النسخ في دراسات الأصوليين) ص267، 268.

(3) سورة البقرة، آية: 184.

(4) سورة البقرة، آية: 185

(5) سورة البقرة، آية: 185.

(6) سورة النساء، آية: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت