حيث جمع من الرقاع والعظام والسعف ومن صدور الرجال. [1] وأسند الصديق هذا العمل العظيم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -، يروي زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فيقول: بعث إليَّ أبو بكر - رضي الله عنه - لمقتل أهل اليمامة [2] ، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر - رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر [3] يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن [4] كلها فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [5] ؟! فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك [6] ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فتتبع القرآن فاجمعه. [7] قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما كلفني به من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب [8] ، واللخاف [9] ،
وصدور الرجال والرقاع [10] والأكتاف [11] قال: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] ، حتى خاتمة براءة، وكانت الصحف عند
أبي بكر حياته حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم [12] .
(1) حروب الردة وبناء الدولة الإسلامية، أحمد سعيد: ص 145.
(2) يعني: واقعة يوم اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وأعوانه.
(3) استحر: كثر واشتد.
(4) أي: في الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار.
(5) يحتمل أن يكون - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ألهم الله الخلفاء الراشدين بذلك. «سيرة وحياة الصديق: ص 120» .
(6) هذه الصفات جعلت زيدًا يتقدم على غيره في هذا العمل.
(7) أي: من الأشياء التي عندي وعند غيرك.
(8) العسب: هو جريد النخل.
(9) اللخاف: جمع لخفة: وهي صفائح الحجارة ..
(10) الرقاع: جمع رقعة وهي قطع الجلود.
(11) الأكتاف: جمع كتف، وهو العظم الذي للبعير أو الشاة.
(12) البخاري رقم: 4986.