الله -عز وجل-: {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 22] قال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها
منه أبدًا. [1]
ولقد فهم الصديق من الآية بأن على المؤمن التخلق بأخلاق الله، فيعفو عن الهفوات والزلات والمزالق، فإن فعل فالله يعفو عنه ويستر ذنوبه، وكما تدين تدان، والله سبحانه قال: أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ"أي: كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم. [2] وكما أن في الآية من حلف على شيء ألا يفعله، فرأى أن فعله أولى من تركه، أتاه وكفر عن يمينه. وقال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى؛ من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ [3] ."
لقد دلت هذه الآية على أن أبا بكر أفضل الناس عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الآية، دلت على علو شأنه في الدين. أورد الرازي في تفسيره أربع عشرة صفة مستنبطة من هذه الآية: وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ"منها: أنه وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدخل على أنه - رضي الله عنه - كان فاضلًا على الإطلاق، وكان مفضلا على الإطلاق، ومنها أنه لما وصفه تعالى بأنه (أولو الفضل والسعة) بالجمع لا بالواحد وبالعموم لا بالخصوص على سبيل المدح، وجب أن يقال: إنه كان خاليًا عن المعصية؛ لأن الممدوح إلى هذا الحد لا يكون من أهل النار [4] ."
خرج أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - للتجارة إلى بصرى ببلاد الشام في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ما منعه حبه لملازمة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الذهاب للتجارة، ولا منع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصديق من ذلك مع شدة حبه له. [5] وفي هذا أهمية أن يكون للمسلم مصدر رزق يستغني به عن
(1) البخاري، رقم: 4750.
(2) تفسير المنير: 18/ 190.
(3) تفسير المنير: 18/ 190.
(4) تفسير الرازي: 18/ 351.
(5) الفتح الباري: 4/ 357، نقلا عن (الخلافة الراشدة والدولة الأموية) من فتح الباري: 163.