إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أما صاحبكم فقد غامر» [1] ، فسلم، وقال: يا رسول الله، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتمعر [2] ، حتى أشفق أبو بكر [3] فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم مرتين [4] ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله [5] ،فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» مرتين. فما أوذي بعدها [6] .
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة، منها: الطبيعة البشرية للصحابة وما يحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، وتواد الصحابة فيما بينهم، ومكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم أصحابه ... إلخ.
قال ربيعة الأسلمي - رضي الله عنه: كنت أخدم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ... وذكر حديثًا ثم قال: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطاني بعد ذلك أرضًا وأعطى أبا بكر أرضًا، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقلت أنا: هي في حدي، وقال أبو بكر: هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال أبو بكر كلمة كرهها، وندم، فقال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقلت: ما أنا بفاعل، قال: ورفض الأرض [7] ، وانطلق أبو بكر - رضي الله عنه - إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وانطلقت أتلوه، فجاء ناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو قد قال لك ما قال؟ قلت:
(1) غامر: خاصم. أي: دخل في غمرة الخصومة.
(2) يتمعر: تذهب نضارته من الغضب.
(3) أن يكون لعمر من الرسول ما يكره.
(4) لأنه هو الذي بدأ.
(5) المراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء.
(6) لما أظهره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من تعظيمه، البخاري، رقم: 3661.
(7) أي: فارق أبو بكر الأرض.