فهرس الكتاب
فصحبه كُلَّهم أجمعين أبضعين أبتعين - إلا أقل القليل لذر الرماد في العيون - هم ما بين شيوعي مأفون, أو نصرانيّ هالك, أو علماني مظلم حالك, أودرزيّ على مذهب القدَّاح, أومرتدٍّ تلبَّس بالكفر البواح, أوقوميّ يدعو إلى المُنتنة, أو لا دينيٍّ من أصحاب المشأمة, أومن جمع هذه الخلال يريد عزل الدين عن حياة المسلمين, اتِّباعًا لطواغيته الكافرين.
ثم يزعم بعض الطغام أنهم هادون مهديُّون, وروَّاد مصلحون, مع إيلاجهم في الغواية, وإيغالهم في العماية, وإمعانهم في التيه والطغيان, وإبحارهم في الفساد والخسران, وانسيابهم في شِعاب الباطل, وتسكُّعهم في بيداء الرذائل, لايقبضون يدًا عن منكر, أعماهم التصلف والبطر, نبذوا كتاب الله وراءهم ظهريَّا, وعبدوا أهواء ساداتهم بغيًًا وغيًّا, ويسمُّون ذلك عقلًا, وعلمًا وفضلًا, فلا يرضون بالقرآن والسنن الهادي لأقوم سنن, فالوحيان يتُّبعهما الرجعيون, بينما هم روّاد تقدميّون. زعموا أن لهم عقولًا أسمى من الآيات, تتحكم في الأرض والسموات, لها الأمر في الدنيا والدين, والأولين والآخرين, منها يؤخذ الجواب, والحكم وفصل الخطاب, وإليها وحدها المآل, صاحبة السيادة والجلال, تشرع الشرائع, دون معارض أو مدافع, وتسنّ القوانين والنظام, على جميع الأنام, لاتثبت أمامها النصوص, فلا يخضعون إلا لأهوائهم, بل لأهواء كبرائهم؛ من مستشرق حاقد, أو باطنّي معاند, أو ماسونيّ خسيس, تلقَّى عن إبليس, زاعمين أن اتِّباع الوحي خَطَل لايليق بمن عقل, ولقد أكذبهم الله فقال سبحانه:) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (( [16] ) .
وقال الله تعالى:) بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (( [17] ) .
وقال الله تعالى:) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (( [18] ) .
وقال الله تعالى:) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا (( [19] ) .
وقال الله تعالى:) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ % فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ (( [20] ) .
فأخبرهم الله تعالى أنه لاعقول لهم، إنما ظنوا أهواءهم عقولًا, كمن يحسب السراب ماءً, والورَمَ امتلاءً, والعَجاجة جبلًا, والغائط عسلًا, ولكن ليس كل ما يَلْمع ذهبًا, ولا كل ما يُعصَر عنبًا.
ودلاّهُم دلاَّلُهُم بحسن حالهم, وعظيم مقالهم, فركبوا وأركبوا غيرهم متن الغرور والمصائب, وهَدوا إلى ريق الحية وحمة العقارب.
ولقد وصف الله تعالى حال أمثالهم وحالهم فقال
)وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (( [21] ) .