فهرس الكتاب
دَخَنٌ» قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» [1]
فالدعوة النبوية إلى اعتزال الطغاة وعدم طاعتهم مطلقا كافية في إسقاطهم إذ قوة الطغاة إنما يستمدونها من طاعة الشعوب لهم فإذا اعتزلتهم الأمة وهجرتهم تحللت قوتهم وضعفت وسقطوا تلقائيا.
ــــــــ
الدليل الرابع
المقاطعة الجزئية بعدم العمل في الوظائف التي تستقوي بها السلطة على الأمة كالشرطة وجباة الأموال
حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل في هذه الوظائف للظلمة وأئمة الجور، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُقَرِّبُونَ شِرَارَ النَّاسِ، وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلَا يَكُونَنَّ عَرِيفًا، وَلَا شُرْطِيًا، وَلَا جَابِيًا، وَلَا خَازِنًا» [2]
وعَنْ مَهْدِيٍّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «كَيْفَ أَنْتَ يَا مَهْدِيُّ إِذَا ظُهِرَ لِخِيَارِكُمْ وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ أَحْدَاثُكُمْ، أَوْ أَشْرَارُكُمْ، وَصُلِّيَتِ الصَّلَاةُ لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا؟» قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: «لَا تَكُنْ جَابِيًا، وَلَا عَرِيفًا، وَلَا شُرَطَيًّا، وَلَا بَرِيدًا، وَصَلِّ الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا» [3]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ لِرَجُلٍ: «لَا تَكُونَنَّ شُرْطِيًّا، وَلَا عَرِيفًا» [4]
وعَنْ نَوْفٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ خَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ فَقَالَ: يَا نَوْفُ أَرَاقِدٌ أَنْتَ أَمْ رَامِقٌ قُلْتُ: بَلْ رَامِقٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: يَا نَوْفُ طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا وَالرَّاغِبِينَ
(1) - صحيح البخاري (4/ 199) (3606) وصحيح مسلم (3/ 1475) 51 - (1847)
[ش (تعرف منهم وتنكر) أي ترى منهم أشياء موافقة للشرع وأشياء مخالفة له. (جلدتنا) من أنفسننا وقومنا وقيل هم في الظاهر مثلنا ومعنا وفي الباطن مخالفون لنا في أمورهم وشؤونهم وجلدة الشيء ظاهره. (جماعة المسلمين) عامتهم التي تلتزم بالكتاب والسنة. (إمامهم) أميرهم العادل الذي اختاروه ونصبوه عليهم. (تعض بأصل شجرة) أي حتى ولو كان الاعتزال بالعض على أصل شجرة والعض هو الأخذ بالأسنان والشد عليها والمراد المبالغة في الاعتزال]
(2) - صحيح ابن حبان - مخرجا (10/ 446) (4586) حسن
(3) - المعجم الكبير للطبراني (9/ 299) (9498) صحيح
(4) - جامع معمر بن راشد (11/ 326) (20668) صحيح