وقد حذر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - من فتنة الدنيا وزينتها فقال له: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] !
وإنما تتعطل الدعوات عن سيرها في طريق التغيير والإصلاح بالانشغال في المال وجمعه، والاستمتاع بفتنة الدنيا وزخرفها، وإنما يقود حركة التغيير المؤمنون المخلصون، وينصرها المعدمون المستضعفون، فهم أتباع الرسل وأنصارهم!
3 -الجهاد في سبيل الله بمفهومه الشامل:
ابتداء بجهاد النفس على الطاعة وفعل الخير وترك الشر، {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] ،
وعَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ إِسْلَامًا؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» ، قَالَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ» ، قَالَ: فَأَيُّ الْمُهَاجِرِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ جَاهَدَ لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ» ، قَالَ: أَنْتَ قُلْتَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَوْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: قَالَ: «بَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَهُ» [1]
أو جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54]
أو جهاد الكلمة أمام أئمة الجور - كما في سنن النسائي عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» [2]
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْأُولَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» قَالَ: أنَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» [3]
أو الجهاد بالأموال والأنفس لنصر دين الله وإعلاء كلمته في الأرض، وجهاد أعدائه قال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41]
(1) - تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (2/ 600) (639) صحيح
(2) - السنن الكبرى للنسائي (7/ 193) (7786) صحيح
(3) - مسند ابن الجعد (ص: 480) (3326) حسن