فهرس الكتاب

الصفحة 854 من 2499

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [1]

وإنما يتحقق حسن الخلق بهاتين الخلتين الرحمة والإحسان إلى بني الإنسان، على اختلاف أجناسهم وأديانهم، وقد جعل القرآن حقيقة الدين الإحسان إلى الخلق كما قال تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) (سورة الماعون) .

فجعل حقيقة التكذيب بالدين، وبالحساب والجزاء يوم القيامة، طرد اليتيم، وحرمان المساكين، ومنع العون للمحتاجين، إذ لا يتصور أن تصدر هذه الأفعال ممن يؤمن بيوم الدين والجزاء، ويخشى الحساب والعقاب!

إن هذه الصفات والخلال - الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله، والاستقامة على دين الله، والأخوة بين المؤمنين في الله، والرحمة والإحسان إلى الخلق لوجه الله - هي أهم ما يجب على المصلحين الراشدين التحلي بها، ومجاهدة النفس عليها، ليتأهلوا للاستخلاف في الأرض كما وعدهم الله {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

وليس المقصود مما ذكر في صفات القيادة والأعضاء أنه لا يقع منهم خطأ وقصور، أو ذنب أو فجور، بل كل ذلك يقع منهم، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» [2]

وإنما الواجب توافر الحد الأدنى من هذه الصفات في الجميع والمجموع، لتحقيق الهدف ونجاح المشروع، فليس مشروع استعادة الخلافة الراشدة، وإقامة الحكومات الراشدة مشروعا سياسيا فقط، بل هو أيضا حركة إحياء روحية وأخلاقية واجتماعية وفكرية تعيد للإنسان المؤمن شهوده الحضاري من جديد، وتبعث الحياة في المجتمع الإسلامي من جديد، بعد أن فسدت التصورات والسلوكيات حتى بين كثير من دعاة الإصلاح، فانغمسوا في الدنيا، وركنوا للظالمين، وداهنوا المجرمين، وخالطوا المسرفين والمترفين، وعبدوا الدينار والدرهم، وافتتنوا فيها وفتنوا الآخرين، حتى يئس المسلمون من إصلاح الأحوال إذا كان هذا حال كثير من علمائهم ودعاتهم وحركاتهم الدينية!

ـــــــــــ

المبحث الثالث

شروط نجاح التنظيم الراشدي

(1) - الأدب المفرد مخرجا (ص: 104) (273) صحيح

(2) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 659) (2499) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت