ونظير هذا ما ذكره الامام الخلال في كتاب السنه عن أئمة العلم كمحمد بن احمد بن واصل، وأبى داود السجستاني، واحمد بن اصرم المزني، وأبى بكر بن أبى طالب ، وإسحاق بن راهوية ، انهم شنعوا على من رد خبر مجاهد في الإقعاد على العرش الذي ترويه كتب السنه والتفسير بالمأثور عند قوله تعالى:"عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا"فمنهم من قال من رده فهو جهمي ، ومنهم من قال متهم في دينه ، ومنهم من قال كفر (انظر السنة للخلال /214-247) ومن المعلوم أن كثيرا من أهل العلم لا يصححون إسناد الخبر، وقد قال المحدث العلامة ناصر الدين الألباني: وذاك الأثر عنه ليس له طريق معتبر، وذكر انه ثبت عن مجاهد من طريقين أن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى يوم القيامة.وقال: وخلاصة القول: إن قول مجاهد هذا - وان صح عنه - لا يجوز أن يتخذ دينا وعقده ، ما دام انه شاهد من الكتاب والسنه (مقدمة مختصر العلو للعلى الغفار ص20) . والظاهر والله اعلم، أن الأئمة قصدوا الرد على الجهمية، التي تشغب على الأخبار التي ترويها الثقات في باب الصفات، فكان بعضهم يبالغ عليهم فتصدر منه مثل هذه الكلمات التي لا يجوز أن تنزل منزلة نصوص الشرع ، فيحكم على كل من ضعف خير مجاهد، أو لم يقل بما دل عليه انه جهمي.
ومن هذا الباب أيضا أن الامام قد يطلق ألفاظا يريد بها سد ذريعة الخوض فيما يشتبه على عوام الناس الحق فيه، أو يدخل عليهم أهل البدع منه إلى بدعهم، فلا يكون ذلك كالنص الشرعي الذي يمنع غيره من تحقيق القول، إذا زالت العلة ، أو اختلف اجتهادهما.