وذلك أن الإمام احمد كان رده على اللفظية النافية: الذين ينفون أن يكون القرآن الذي نتلوه كلام الله اكثر وأشهر واغلظ لوجهين، الأول: أن قولهم يفضي إلى زيادة التعطيل والنفي، وجانب [التعطيل] أبدا شر من جانب الإثبات، فان الرسل جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل .. لهذا يقال المعطل أعمى والمشبه أعشى.
الثاني: أن الإمام أحمد إنما ابتلي بالجهمية المعطلة فهم خصومه، فكان همه منصرفا إلى رد مقالاتهم دون أهل الإثبات، فإنه لم يكن في ذلك الوقت والمكان من هو داع إلى زيادة في الإثبات، كما ظهر من كان يدعو إلى زيادة في النفي، والإنكار يقع بحسب الحاجة، والبخاري لما ابتلي باللفظية المثبتة أي الذين يثبتون مطلق القول بأن اللفظ غير مخلوق، ظهر إنكاره عليهم كما في تراجم آخر كتاب الصحيح، وكما في كتاب (خلق الأفعال) مع أنه كذب من نقل عنه أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق من جميع أهل الأمصار) أنظر المصدر السابق (12/ 433)
والشاهد من هذا كله، أن الإمام أحمد رحمه الله إنما راعى أحوالا كان يعيشها فأطلق ألفاظا تلاءمت معها، وليس ذلك بمانع أن يتكلم غيره بتفصيل ما أطلق بما يتلاءم مع أحوال أخرى كما فعل البخاري، ولم يفهم الذين عادوه هذا الذي أراده البخاري، وتمسكوا بالمجمل من كلام أحمد، ولاريب أن الذين قاموا عليه وهجروه حتى مات في قرية صغيرة، وقد امتلأت أسماع كثير من الناس بذمه، ما عاملوه بما يستحق، وهو الإمام الرضي عن المؤمنين إلى قيام الساعة، وعند ربهم إن شاء الله يوم القيامة، وهم مع ذلك أجلاء علماء، فالله يغفر لهم جميعا، ويجمعهم في مستقر رحمته، إنه هو الرحيم الغفور.