ومما ينبغي التنويه به هنا ، أن العمل يكون أحيانا أجل من العلم ، والخطأ فيه ربما يكون أعظم من الخطأ في العلم ، ولهذا يجب عند الحكم على الشخص النظر إلى عمله ، وذكر محاسنه ، فربما كان ما أصاب فيه من العمل ، أعظم مما أخطأ فيه من العلم. وهذا الأمر يغفل عنه كثر من المنشغلين بالعلم ، المعرضين عن الاعتناء بالعمل والعبادة، وذلك لأن نفوسهم تعودت على العلم ، فتجد أحدهم يعظم الخطأ في مسألة من العلم دقيقة، ولا يرفع رأسا للتقصير في جليل مسائل العمل ، وهذا خطأ بلا ريب ، ولهذا تجد أحدهم يؤاخذ المخالف على خطأ في العلم هو مغمور في كثرة وحسن عمله ، وجهاده ، لظنه الباطل أن العلم أجل من العمل مطلقا، وليس بصحيح ، فإنه وإن كان جنس العلم أجل من العمل، إلا أن في العمل ما هو أجل وأعظم من كثير من مسائل العلم لاسيما التي ليس تحتها عمل .
والمقصود أن الخطأ فيما يسمى هذه الأيام ( بالعقيدة ) ، قد يكون أهون من الخطأ في العمل ، ولهذا يجب النظر إلى محاسن عمل الشخص ، عند الحكم عليه وإن وجد منه خطأ في العقيدة ، وتذكر محاسن عمله وينصف في الحكم عليه ، هذا مع أنه قد يكون له أيضا ، من الموافقة للاعتقاد الصحيح في أكثر أموره فلا يغفل هذا أيضا، ويكون الحكم عليه بهذا المجموع كله علمه ، وعمله ، ما أصاب فيهما ، وما أخطأ.
ولا يعني هذا التهوين من شأن العقيدة والعلم فإن العلم أصل العمل وأساسه ، والعقيدة قبل كل شيء ، والانحراف فيها أشنع في الغالب من الانحراف العملي ، ولهذا جاء عن السلف أن البدعة أحب الى إبليس من المعصية ، لكن هذا كله باعتبار الجنس ، أما عند التفصيل ، فلا بد من مراعاة تفاضل بعض العمل على بعض العلم .