ولهذا وأمثاله قال الذهبي - رحمه الله: ( وقد كان طائفة من المحدثين يتنطعون فيمن له هفوة صغيرة تخالف السنة ) . سير أعلام النبلاء 10/466. ولا ريب لم يرد الأئمة الكبار ، فاختلافهم في الحكم لا يدخل في هذا ، فهذا الإمام أحمد رحمة الله يصبر نفسه عن سماع حديث من في قلبه غصص منه ، ويروي عنه أصحابه فلا يكون ذلك مما يوجب شيئا في نفوس بعضهم على بعض ، قال أبو زرعة: رحم الله أحمد بن حنبل ، بلغني أنه كان في قلبه غصص من أحاديث ظهرت عن المعلي بن منصور ، كان يحتاج إليها ، وكان المعلي أشبه القوم - يعني أصحاب الرأي - بأهل العلم وذلك أنه كان طلابه للعلم رحل وعني ، فتصبر أحمد عن تلك الأحاديث ولم يسمع منها حرفا ، وأما على بن المديني ، وأبو خيثمة ، وعامة أصحابنا فسمعوا منه ، المعلي صدوق (10/367) .
ومن الأمثلة على هذا الضابط ، اختلاف العلماء في عكرمة ، فقد تركه قوم ورغبوا عنه لظنهم فيه ، رأي الخوارج منهم الإمام مسلم رحمه الله ، وروى له البخاري وأئمة ، ولم يوجب ذلك شقاقا بين المختلفين فيه ، فإن الرجل قد تعارض الكلام فيه تعارضا شديدا ، ورجح ابن حجر رحمه الله أنه وافق الخوارج في بعض قولهم فنسب إليهم ولا تصح النسبة هدي الساري ص 428 .
ومن هذا أيضا ، الحكم على طائفة كأهل الرأي والتصوف ، فإن أهل الحديث متفاوتون في الشدة على أهل الرأي ، فمنهم من يطلق أقوالهم عظيمة مبالغ فيها ، كالاستتابة ونحوها ، ومنهم من لا يبلغ إلى هذا الحد ، والناظر في ترجمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله - إمام أهل الرأي - في تاريخ بغداد ، يتحير من تعارض الأقوال فيه ، ولا شك أنه كما قال الألباني رحمه الله: فلا يجوز الطعن فيه ، بل يجب التأدب معه ، لأنه إمام من أئمة المسلمين ، الذين بهم حفظ هذا الدين ، ووصل إلينا ما وصل من فروعه ، وأنه مأجور على كل حال أصاب أو أخطأ شرح الطحاوية ص 9