الصفحة 296 من 341

ولكن تباح عند الحاجة الشرعية المعاريض وقد تسمى كذبًا؛ لأن الكلام يعنى به المتكلم معنى، وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب، فإذا لم يكن على ما يعنيه فهو الكذب المحض، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب، فهذه المعاريض، وهى كذب باعتبار الأفهام، وإن لم تكن كذبا باعتبار الغاية السائغة . ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: ( لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات اللّه: قوله لسارة: أختى ، وقوله(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) [ الأنبياء: 63 ] ، وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) [ الصافات: 89 ] ، وهذه الثلاثة معاريض . وبها احتج العلماء على جواز التعريض للمظلوم، وهو أن يعنى بكلامه ما يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه المخاطب؛ ولهذا قال من قال من العلماء: إن ما رخص فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إنما هو من هذا، كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ليس الكاذب بالذى يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمى خيرا ) . ولم يرخص فيما يقول الناس: إنه كذب، إلا في ثلاث: في الإصلاح بين الناس، وفى الحرب؛ وفى الرجل يحدث امرأته، قال: فهذا كله من المعاريض خاصة .

ولهذا نفى عنه النبى صلى الله عليه وسلم اسم الكذب باعتبار القصد والغاية، كما ثبت عنه أنه قال: ( الحرب خدعة ) ، وأنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها . ومن هذا الباب قول الصديق في سفر الهجرة عن النبى صلى الله عليه وسلم: هذا الرجل يهدينى السبيل . وقول النبى صلى الله عليه وسلم للكافر السائل له في غزوة بدر: ( نحن من ماء ) ، وقوله للرجل الذى حلف على المسلم الذى أراد الكفار أسره: ( إنه أخى ) ، وعنى أخوة الدين، وفهموا منه أخوة النسب، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ( إن كنت لأبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت