ومع ذلك فقد تتراكم الأخطاء والبدع والضلالات حتى يُرمى من يتكلم بالحق بكل بدعةٍ وشناعة ٍ، وحتى يصير الحق غريبا فلا يعرفه من الناس إلا الرجل أو الرجلان، ومن هذا ماوقع للحافظ عبدالغني المقدسي 600 هـ وهو صاحب كتاب (عمدة الأحكام) في أحاديث الأحكام، وكتاب (الكمال في أسماء الرجال) ، وهو ابن أخي الموفق بن قدامة الحنبلي صاحب (المغني) ـ وقد ذكر قصته ابن كثير فقال (فحوّل عبدالغني ميعاده إلى بعد العصر فذكر يوما عقيدته على الكرسي، فثار عليه القاضي ابن الزكي وضياء الدين الدولعي، وعقدوا له مجلسًا في القلعة يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ـ وخمسمائة ـ وتكلمو معه في مسألة العلوّ والنزول ومسألة الحرف والصوت، وطال الكلام وظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب القلعة: كل هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق؟ قال: نعم، فغضب برغش من ذلك وأمره بالخروج من البلد) (البداية والنهاية) 13/ 39. وأدرجت في كلامه كلمة ـ وخمسمائة ـ ليتضح التاريخ، ويريد ابن كثير بكلمة (ميعاده) أي ميعاد درسه. وقد حدث قريب من هذا مع شيخ الإسلام ابن تيمية انظر مناظرة العقيدة الواسطية (بمجموع الفتاوى) [3/160 ـ 277] ، وذكر ابن كثير خبر هذه المناظرات في كتابه (البداية والنهاية) آخر جـ 13، وأول جـ 14. ورُمي أيضا شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله بكل بدعة ٍ وشناعة، انظر (الرسائل الشخصية) له، وانظر (دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب) لعبدالعزيز العبداللطيف، ولكن رغم تراكم الضلالات وغربة الحق فإن الله يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، (ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون) ، (ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) ، هذا وعد الله، ولايخلف الله الميعاد.
وفي بيان غربة أهل الحق وصفات أعدائهم ومخالفيهم في كل زمان، قال ابن القيم رحمه الله في قصيدته النونية: