فهرس الكتاب
ومن هنا يبدو أن الغرب لا يقبل الآخر إلا تابعًا أو مريدًا أو وعاء لنظرياته وآرائه ، إذ يعتقد أنه لا حداثة بدونه ، ولا نهوض بمعزل عن قيمه ، وقد انتقد هذا التصور المفكر صامويل هنتينغتون حين قال: ( إن الافتراض الشائع لدى أهل الغرب بأن الشعوب الأخرى التي تأخذ بالتحديث لا بد لها أن تصبح مثلنا ، هو نوع من الغرور الغربي الذي يوضح بنفسه صدام الحضارات ) 1 .
2 _ مقولة صراع الحضارات
منذ أن أصدر صامويل هنتينغتون أستاذ العلوم السياسية ورئيس أكاديمية هارفاد للدراسات الدولية والإقليمية كتابه الجديد: ( صدام الحضارات وصياغة العالم الجديد ) ، والناس في هرْج ومرٍج ، ما بين مؤيّد لنظريته ومفنّد لها ، وهي _ في جوهرها _ استشراف مستقبلي لآفاق العلاقة بين الغرب وأنداده ، ولاسيما العالمين الإسلامي والكونفوشي ، ودعوة إلى استطلاع ما يلوح في ساحة المستقبل المرموق القريب من نذر تنادي بأفول الزعامة الغربية وتخلّفها عن موقع القيادة المنفردة للركب الحضاري ، ذلك أن التنافس على الصدارة سيكون شديدًا ومحرّضًا على الصدام الحضاري على مستويين: ( الأول: جزئي ويتمثل في نزاعات خطوط التماس ، والثاني: كلي يتمثل في التنافس العسكري والاقتصادي ومدى السيطرة على المؤسسات الدولية إضافة إلى ترويج القيم السياسية والدينية الخاصة ) 2 .
ومن المنطقي في رؤية صامويل هنتينغتون أن تتآزر البلدان ذات الحضارة المشتركة على اكتساح الآخر المختلف في حضارته وقيمه ، وحمله حملًا على الانصهار في بوتقة النموذج الغربي ، بل إنه يرد على انتقاد المسلمين لسياسة الكيل بمكيالين قائلًا: ( من المحتّم أن يكون عالم الحضارات المتصادمة هو عالم الكيل بمكيالين ، فالناس يكيلون بمكيال للبلدان التي تمت إليهم بقرابة ، وبمكيال مختلف للآخرين ) 3 .