فهرس الكتاب
ولعل كيشوري حبوباتي نائب وزير خارجية سنغافورا كان من المفكرين الرواد الذين اجتهدوا ما وسعهم الاجتهاد في نقد نظرية صراع الحضارات وكشف عوارها ، وزبدة رأيه: أن النظرية تجلي الستار عن فشل ذريع في صياغة استراتيجية تحسن التعامل مع الآخر / المسلم أو الصيني في إطار آداب حضارية ومواثيق سلمية ، وهذا عيب مميت في الغرب على حد تعبيره 1 .
وإذا كانت هذه النظرية تحتاج إلى نقد تفصيلي يشبع القول في بيان مثالبها ورصد آثارها الوخيمة ، فإن المقام لا يسعف بذلك وربما جرّنا هذا الإشباع إلى استطرادات لا تغني الموضوع بقدر ما تبدّد سلكه وتقطّع أوصاله ، بيد أن ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه ، وأمانة البحث تملي علينا تعقّب نظرية صراع الحضارات من وجوه قد يكون فيها من الدلالة على المراد والتعلّق بالمقصود ما يغني جلب أخواتها ونظائرها:
_ الأول: أن هنتينغتون يسكت تجاهلًا لا جهلًا عن الباعث الحقيقي لمخاوف الغرب ، وهو أن العالم الإسلامي رقعة شاسعة زاخرة بالطاقات البشرية والموارد الطبيعية ، ومحصّنة بثوابتها الدينية وتراثها الحضاري ، مما يجعل المسلم اليقظ في جنّة واستعصاء على احتواء الغرب حتى وهو بين ظهرانيه ، ولاشك أن معدّلات انتشار الإسلام في أقاصي العالم وأدانيه تبشّر بالمستقبل الزاهر لهذا الدين ، وتعكّر على أعدائه صفو راحتهم ، ( فقد أشارت هيئة الإذاعة البريطانية قبل ما يزيد عن السنة إلى ظاهرة اعتناق الدين الإسلامي بين الشعوب البريطانية ، إذ يدخل في الدين الإسلامي أكثر من عشرة آلاف شخص سنويًا ، وكذلك أصبح تعداد المسلمين في فرنسا في المرتبة الثانية بعد المسيحية ، وأصبح لهم ثقل وتأثير على الصعيدين الداخلي والخارجي للسياسة الفرنسية ، والولايات المتحدة الأمريكية أيضًا تشهد تزايدًا ملحوظًا لأعداد المسلمين إضافة إلى نمو قوتهم وتأثيرهم وإمكاناتهم الإعلامية ونشاطاتهم ) 2 .