فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 764

_ الثاني: أن هنتينغتون صاحب رؤية أحادية مبتسرة لا ترى في التعدد الفكري والاختلاف الثقافي إلا حطب فتنة ، وفتيل حروب حضارية ضارية ، وليس من اللائق أن تصدر هذه الرؤية من الغرب الديمقراطي العقلاني الذي ما فتىء يلوّح بشعارات التعددية و التكامل والانفتاح الحضاري جلبًا لرداء الموضوعية ، وتمسّحًا بضرائح الفكر الحرّ .

والحق أن الاختلاف في المعتقد والفكر واللغة ليس بباعث على التدابر والتناحر ، وإنما أس البلاء ورأس الفتنة هو المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية للغرب التي يتعذّر استيفاؤها أحيانًا إلا بتوظيف الاختلاف في إطار مصلحي صرف ،واتخاذه ذريعة إلى إشباع الهوى وموافقة الغرض ، ومن

ـــــــــــ

1 صدام الحضارات لهنتينغتون مع ردود وتعقيبات لجماعة من المفكرين ، ص 60 .

2 الإسلام والغرب والديمقراطية لجودت سعيد وعبد الواحد علواني ، ص 219 .

ثم فإن ما يقال عن ( الصدام الحضاري والثقافي مجرد لافتة أو غطاء لستر المصلحة أو الحاجة الأخرى غير المعلنة ، بما يستتبعها من هيمنة وسيطرة وإن وضعت تحت شعار الخطر القادم من الهويات والثقافات المعادية للغرب وحضاراته ) 1 .

فصراع الحضارات ، إذًا ، يروّج لنظرية ( العدو المفترض ) الذي من شأنه أن يزاحمَ الغرب على رتبة الصدارة في قيادة الركب العالمي ، ويهدّد حداثته الغازية التي تروم الإجهاز على مقومات الأصالة في كل مضمار تحت دثار حتمية العلم ، ونبل الرسالة ، وضرورة تغيير البنى الموروثة البالية ، ولاسيما بعد اندحار الخطر الشيوعي الأحمر الذي كان عدوًا تقليديًا للغرب وندًّا له في المعترك الحضاري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت