فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 764

إن الحوار الحضاري بين العالم الإسلامي والغرب يقتضي معرفة كل طرف بلغة محاوِره ، لأن اللسان وسيلة التواصل ، وأداة الفهم والإفهام ، وهذا الشرط الجوهري ليس بمرعي عند الطرف الغربي على المستويين الشعبي والنخبوي ، ولعل الشعب الأمريكي أكثر الشعوب قصورًا في مضمار اللغات الأجنبية عمومًا ولغات العالم الإسلامي على وجه الخصوص ، وليس لدي من الأسباب التي أعزو إليها هذا القصور إلا أن يكون الحافز على التعلم معدومًا بدعوى تخلف المسلمين وتراجعهم إلى ذيل الركب الحضاري ، فليس لديهم من مثيرات المعرفة وثمرات العقول ما يحمل على امتلاك ناصية لغتهم ، وهذه دعوى عريضة تمليها المركزية الغربية ، وتنفخ فيها دواعي الاستعلاء الأجوف .وهنا أضطر اضطرارًا إلى مخالفة الأستاذ حسن أوريد الذي ذهب مذهبًا مجافيًا لهذا التصور حين عدّ الغرب طرفًا مؤهلًا للحوار بامتلاكه ناصية المعرفة الواسعة بالآخر ، ونحى باللائمة على عالمنا الإسلامي الذي يعوزه الاطلاع على حضارة الغرب ولسانه ، وتنقصه المؤسسات الراعية للحوار ، يقول: ( إن الحوار يتم بمبادرة الغرب ، ويتميز الغرب بمعرفته الدقيقة والعميقة بالعالم الإسلامي ، سواء من خلال مؤسساته الكنسية أو الأكاديمية ومعرفته بجوانب الحياة في المجتمعات الإسلامية ، وامتلاك ناصية لغاته ) 1 . وفي هذا الرأي نظر ، لأن إتقان لغات العالم الإسلامي مقصور على نخبة غربية يمثلها أهل السياسة والعلم والاستشراق ، ورجال الأعمال والاستخبارات . والحق أن العالم الإسلامي كلِف بلغات الغرب ، وحريص على امتلاك ناصيتها ، تحدوه إلى ذلك حدوًا رغائب شتى ما بين التعلّم في ديار الغرب ، والبحث في حضارته وأدبياته ، والإفادة من مستجداته ومخترعاته ، وأيا كان الباعث والحادي فإن عددًا موفورًا من المتعلمين المسلمين يتقنون الإنجليزية والإسبانية والفرنسية ، وهي لغات رسمية مقررة في المدارس والجامعات ، يحتفى بها أيما احتفاء ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت