ومن تجليات الرحمة في آية الاختلاف ما أثبتته الدراسات السيكو اجتماعية أن القدرات العقلية للفرد لا يمكنها أن تتطور إلا مع الآخر المختلف أي في ظل التدافع المعرفي والجدال العلمي باعتباره المجال الأفضل للتطور الذهني والمعرفي, وتتعزز نتائج هذه الدراسات بنتائج الأبحاث الميدانية في مجال التربية وعلم النفس التي تؤكد أن التقدم المعرفي وإثراء الفكر لا يحصل إلا إذا وجد الأفراد أنفسهم في وضعيات اختلاف ومواجهة مع أفراد متنوعي المستويات والتوجهات .
والتدافع المعرفي المفضي إلى إثراء الفكر يتوقف على وجود اختلافات في آراء الأطراف المجتمعة حول عملية اكتساب المعرفة, وكل ذلك متوقف على حسن إدارة هذا الاختلاف وتدبيره في الاتجاه الصحيح المنتج .
ولقد بدأ يتنامى الوعي بأهمية البحث عن منهجية تدبير الاختلاف الثقافي والفكري في الدراسات الفكرية المعاصرة,فبدأت كلمة الحوار تتردد على كل لسان وتتكرر في أكثر من خطاب ومقال، وتعقد لبحث أبعاده ودلالاته المؤتمرات والندوات، لأن الجميع أدرك مركزية الحوار في التدبير الأمثل للاختلاف الثقافي والفكري في اتجاه بناء أجواء التفاهم والتعايش السلمي، وفض النزاعات مع الآخر المخالف, وما هذه الندوة المباركة إلا مظهر من مظاهر هذا الوعي المتنامي .
ولقد أدى غياب الحوار بين أطراف الخلاف سواء داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية الاثنية، أو بين مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية قديما وحديثا إلى فشل ذريع في تدبير الاختلاف في كثير من القضايا, وهو ما أدى - على المستوى الداخلي - إلى إثارة النزاعات في صغائر الأمور، وضخم الخلاف على حساب الوفاق، وبددت طاقات الأمة في صراعات هامشية, كثيرا ما كانت السبب في إجهاز العدو على مصالح الأمة الكبرى.