وعلى المستوى الخارجي شجر الخلاف وتكلست العقول على نظرة حادة إلى الآخر من كلا الطرفين، ونسي الجميع المشترك الإنساني الواجب تنميته، والمختلف اللازم احترامه، فآل الأمر إلى إشعال الحروب المتكررة التي أهلكت الحرث والنسل إلى الآن.
ومن جانبنا فإن مسؤوليتنا فيما نعيشه من أزمة في العلاقة مع الآخر الوطني أو الأجنبي راجع في العمق إلى عدم تشبعنا بهويتنا الثقافية الإسلامية التي تمتلك رؤية أصيلة واضحة لثقافة الاختلاف, وضربت أروع الأمثلة في تدبير قضية الاختلاف.
فالقرآن الكريم قدم لنا منهجا متكاملا للحوار في عرض مضامين رسالته، ولم يكتف بأسلوب النصيحة والموعظة، وقعدت لنا مباحث أصول الفقه والكلام والجدل معرفة متكاملة أسست لثقافة الاختلاف، وقعدت منهجا محكما لاستثمار الاختلاف في إنتاج المعرفة وتصحيحها.
ولمقاربة هذا الموضوع، جاءت هذه المداخلة مؤسسة على محورين اثنين:
المحور الأول: الأسس المرجعية لتدبير الاختلاف مع الآخر في الفكر الإسلامي
إذا كانت الشريعة الإسلامية أقرت الاختلاف ظاهرة متأصلة في الإنتاج المعرفي للإنسان، فإنها دعت نظريا - كما في الكتاب - وعمليا - كما في السنة- إلى حسن تدبير هذا الاختلاف واستثماره حتى يكون عامل إثراء وبناء, لا عنصر فرقة وبلاء، وذلك على أساس الحوار العلمي الهادف الذي يعترف بالآخر ولا ينفيه .
1)الأساس القرآني:
تستمد قضية تدبير الاختلاف مع الآخر المخالف أصالتها ومشروعيتها من المرجعية العليا للفكر الإسلامي: الكتاب والسنة، ذلك أننا إذا نظرنا إلى القرآن الكريم نظرا كليا ألفيناه خطابا ربانيا موجهها إلى الإنسان ذي خصوصية فكرية وطبيعة جدلية، كما وصفه الحق سبحانه:"وكان الانسن أكثر شيء جدلا" (1) ، لذلك سيقت رسالة هذا الخطاب مساق جدل وحجاج، ولم تقدم عارية عن البراهين والحجج مراعاة وتقديرا للمخاطب المخالف.
(1) - الكهف من الآية 54.