فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 764

واستلهاما لروح هذه الرؤية الناضجة لقضية الاختلاف, يعلن الشافعي قولته الشهيرة:"رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطا يحتمل الصواب"ليضرب أروع مثل في الموضوعية والنسبية في الرأي, ويسجل مالك بن أنس موقفا علميا رائعا حين رفض إلغاء التعددية الفكرية الاجتهادية التي رآها في طلب أبي جعفر المنصور أن يحمل الناس على مذهبه في الموطأ, وطلب هارون الرشيد أن يعلق الموطأ على الكعبة .

وعلى هذا الأساس ظهرت المدارس الاجتهادية وتعددت المذاهب الفقهية وتشعبت الآراء في قضايا الشريعة الاجتهادية, حتى أصبح موضوع الخلاف في الفقه الإسلامي علما قائما بذاته له علماؤه ومنهجه ومؤلفاته التي لا تحصى, وهو الموسوم ب"الخلاف العالي"أو"الفقه المقارن"الذي تحول إلى مادة دراسية في المنهاج التعليمي لمجتمعاتنا الإسلامية وما يزال مند القديم .

تلك هي البنية المرجعية لثقافة الاختلاف عموما، ولمبدأ إدارة الاختلاف مع الآخر خصوصا في الفكر الإسلامي، فما الضوابط التي يتأسس عليها تدبير هذا الاختلاف ؟

المحور الثاني: ضوابط تدبير الاختلاف في النظر الأصولي

إذا كانت ظاهرة الاختلاف وأوجه تدبيرها قضية متأصلة في المرجعية العليا للفكر الإسلامي، وكان تدبير هذا الاختلاف بمهارة منهجا تطبيقيا مقعدا زمن النبوة ابتداء، وما تلاها تبعا واقتداء، فإن البحث عن ضوابط حسن هذا التدبير في زوايا الفكر الإسلامي قضية علمية حيوية من شأن تقديمها في صيغة تقعيدية محبوكة أن تسهم في إعادة قطار الخلاف المعرفي إلى سكته ليواصل مشواره في زمن ينادي فيه الجميع - إن صدقا وإن كذبا- بالحوار أسلوبا مركزيا لإدارة الاختلاف .

ولقد تتبعت في الفكر الإسلامي الضوابط المعتمدة في تدبير الاختلاف مع الآخر وتوجيهه نحو البناء المعرفي والإنتاج العلمي, فألفيتها ضوابط متكاملة ومتعاضدة أحاطت بالموضوع وأمنته من الزلل وسوء التدبير, وصنفتها إلى: ضوابط كلية وأخرى تفصيلية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت