فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 764

فقد أنكر القرآن الكريم كثيرا على من يقبل على الخلاف بغير علم كما في قوله تعالى:"هاأنتم هؤلاء حاججتم في ما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم" (1) ، لأن الحوارات غير المنتجة مردُّها إلى عدم التكافؤ بين المتحاورين المختلفين، فالجاهل بالشيء ليس كفؤًا للعالم به، وإن من البلاء ؛ أن يقوم غير مختص ليعترض على مختص ؛ فيُخَطِّئه ويُغَلِّطه .

ب- وحدة موضوع الاختلاف:

فالمخالفان إنما يجمعهما موضوع موحد يشكل أرضية مشتركة بينهما، يعتزم كل واحد منهما أن يدلي بوجهة نظره مستدلا على صحتها، ويبرهن على فساد أدلة مناظره، وذلك من أجل الوصول إلى الحقيقة العلمية المشتركة، وإنتاج المعرفة الصحيحة المنشودة، أما إذا كان كل مخالف يتحدث عن قضية غير التي يتحدث عنها صاحبه، فالحوار متعذر حتى يتوحدا في موضوع النقاش, وهذا ما يسميه الأصوليون تحرير محل النزاع أو الخلاف.

فموضوع الخلاف والحوار هو جوهر العملية برمتها، وإذا ما جرى الاتفاق على ذلك كان الجدل مفيدا وواضحًا للأطراف المشاركة فيه، وسواء كان الموضوع قديمًا أو معاصرًا فإن تحديده عامل أساس من عوامل نجاح المجادلة والمناظرة مع الآخر؛ لأن تحرير محل النزاع يضمن عدم تحوّل الجدل إلى نوع من اللجاج، كما أنه يضمن عدم بعثرة الأفكار وضياعها بسبب ضبابية الفكرة وعدم وضوحها، إضافة إلى أن عدم تحديد الموضوع لا يتيح فرصة للحكم عليه، فالقاعدة تقول:"الحكم على الشيء فرع عن تصوره"فلا يمكن إصدار حكم في مسألة معينة بدون تحديد عناصرها وملامحها الأساسية.

والحديث عن موضوع مجادلة الآخر يستدعي الحديث عن الجدوى والثمرة المرجوة من أي قضية خلافية تطرح على بساط الجدل، فلا يعقل أن يهدر الوقت والجهد في قضية خارج حدود العقل البشري، أو قضايا مسلمة أو معلومة بالضرورة العقلية أو الدينية، فهو جهد في غير فائدة، وأفعال العقلاء منزهة عن العبث.

(1) - آل عمران من الآية 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت