والذي يطلع بأمانة وروية على الرؤية الإسلامية في موضوع الحوار والتفاعل مع الآخر سيدرك كيف أن القرآن الكريم أسس لرؤية كونية متوازنة ومتكاملة في الحوار والاتصال والتفاعل، كما سيجد في السيرة النبوية وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وفي أعمال الخلفاء والصحابة والتابعين أمثلة واقعية حية لتجسيد قيم الحوار والاتصال القرآني في ممارسات الأمة الإسلامية وحضارتها في صلتها مع الأديان والأمم والشعوب والثقافات الآخرى. والباحث المنصف كذلك يستطيع أن يدرك بيسر القيم والمبادئ التي أحاطت بعملية الحوار في الإسلام؛ سواء أكان حوارا فرديا أو جماعيا، عقديا أو عمليا، فكريا أو سلوكيا. فالدلائل القرآنية والبيانات النبوية والممارسات الإسلامية لا تدع مجالا للشك في أن التوجه العام في الأمة وحضارتها هو توجه السلم والحوار والتفاعل مع الآخرين مهما كانت مللهم ونحلهم. فقد عكس لنا النص القرآني العشرات من النماذج الواردة في القصص النبوي (1) وكيف أن أنبياء الله ورسوله هم أول من سلك طريق الحوار والاتصال مع أقوامهم فحاورهم في قضايا العقيدة والشريعة والأخلاق والقيم والسلوك والثقافة وغيرها. كما أن هؤلاء الأنبياء تركوا تراثا عمليا في حواراتهم واتصالاتهم مع أقوامهم، وبينوا لنا أنسب الطرق وأصلح المناهح وأعلى القيم المطلوبة في الحوار والتفاعل.
(1) نجيب علي عبدالله السودي، محاورات الأنبياء لأقوامهم في القرآن الكريم (صنعاء: وزارة الثقافة والسياحة، 2004م) ، ص 24 وما بعدها.