وجاءت الرسالة النبوية (1) الخاتمة والعالمية والمحفوظة لتقدم للمسلمين وللعالم كله رؤية عالمية حضارية في الحوار والاتصال. فبينت هذه الرسالة العظيمة قيم الحوار ومناهجه وشروطه وأخلاقياته ووسائله وأهدافه وأوقاته الملائمة. وجعلت من الحوار وسيلة من أهم الوسائل في تبلبغ دعوة الحق، وإيصاله للآخرين، وإقامة الحجة والدليل عليهم. والحقيقة الأساسية التي ركز عليها الإسلام في قضية الحوار هي أن هذه العملية أو هذه الوسيلة لا توظف ولا تستخدم إلا لبيان الحق وخدمته في مختلف صوره وأشكاله. إن الحوار في الرؤية الإسلامية محكوم بجملة ضوابط وقواعد وشروط وقيم وأخلاق، كما أنه يخضع لسنن وقوانين، ويتم من أجل أهداف ومقاصد معينة.
ولما انتشر في وقتنا الراهن اللغط والعداء للإسلام في عقيدته وشريعته وأخلاقه السمحة، وأُلصقت بالمسلمين أوصاف الإرهاب والتطرف والعنف، ووصموا بعدم القدرة على الحوار والتواصل مع الآخرين يُصبح من أعظم الواجبات على المسلمين القيام بمهمة بيان حقيقة الإسلام، وطبيعة الإنسان المسلم الملتزم حقا، ونوعية النموذج الحضاري الذي يقدمه الإسلام للإنسانية. ومن ما ينبغي بيانه هنا أمور كثيرة يركز هذا البحث على مسألة التعارف الحضاري والتدافع الحضاري بوصفهما من المفاهيم التأسيسية لصلة المسلم بالمسلم أولا ثم صلة هذا المسلم بالآخرين من أهل الكتاب وأهل الأديان والملل والنحل الآخرى. ويعالج البحث النقاط الآتية:
أولا: الإطار النظري العام لدراسة الحوار الحضاري في الإسلام
ثانيا: التعارف الحضاري كإطار إسلامي لممارسة التفاعل والتواصل والحوار مع الآخر
ثالثا: الحوار بين التعارف الحضاري والتدافع الحضاري
رابعا: توجيهات على طريق تفعيل الحوار مع الآخر في ضوء إطار التعارف وسنة التدافع
(1) إبراهيم أحمد الوقفي، الحوار: لغة القرآن الكريم والسنة النبوية (القاهرة: دار الفكر العربي، ط1، 1993م) ، ص 7 وما بعدها.