فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 764

ولما كان الصراع والتصادم والهيمنة صفة أصيلة من صفات النماذج الاستعمارية في العالم منذ الإمبراطورية القديمة ومرورا بالإمبراطورية الرومانية الهيلينية الاغريقية ومثيلاتها، وتعريجا على إمبراطوريات الاستعمار المعاصر، ووصولا إلى الأشكال الجديدة للتصادم والصراع والهيمنة، فإنه من الواضح أن قسما كبيرا من الثقافة الغربية الحديثة يوظف منطق التصادم وآلياته وأدواته وسيكولوجياته، وفي صلته مع الآخر وذلك من أجل تحقيق مصالحه، وتجديد هيمنته ومركزيته واستقطابيته للآخرين. وهذا المنطق التصادمي والصراعي هو الذي ينعكس جليا في الكثير من الكتابات القديمة والحديثة، وخاصة في العشرين سنة الماضية. فكتابات مثل: صدام الحضارات، ونهاية التاريخ والإنسان الجديد، وموت الإله، ونهاية الدولة، ونهاية الحضارة، ونهاية الإنسان، والعولمة المسطحة، والفوضى الخلاقة، وأسلحة المستقبل الفتاكة، وغزو الفضاء من أجل استمرار الهيمنة، والهندسة الجينية من أجل السيطرة،...فكل هذه الكتابات وغيرها إنما تجسد صورة من صور منطق الصراع وفلسفة التصادم التي تحكم صلة الحضارة الغربية المهيمنة في تفاعلاتها، وصلاتها مع الآخر. وفق هذا المنطق وهذا الاتجاه التصادمي الصراعي يصبح الحوار نفسه مع الآخر مجرد وسيلة وأداة من أدوات الصراع والتصادم. بحيث يوظف الحوار من أجل كسب معارك معينة، وتجديد فعالية القوة المهيمنة في ساحات النزال والمواجهة. وقد وصف لنا الأستاذ النورسي بطريقة بارعة طبيعة هذا النسق الغربي (1) الصراعي التصادمي في قوله:"إن أسس المدنية الحاضرة (2) سلبية، وهي أسس خمسة، تدور عليها رحاها. فنقطة استنادها: القوة بدل الحق، وشأن القوة الاعتداء"

(1) هذا لا يعني أنه في الغرب الحديث لا توجد أصوات تدعو إلى الحوار والتفاعل واحترام الآخرين...

(2) انظر: النورسي، كليات رسائل النور: الكلمات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي (إستانبول: دار سوزلر للنشر، 1992م) ، ص 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت