فهرس الكتاب
... فالاختلاف الذي هو سنة من سنن الاجتماع البشري، وقيمة إنسانية مهمة غاياتها كثيرة منها: الابتلاء وإغناء التجربة الإنسانية بالآراء والتوجهات والنزعات والميول المختلفة. وإذا ما بقي الاختلاف بين الناس في الآراء والتوجهات والأفكار في إطار ضوابطه وأخلاقياته وشروطه يكون مثمرا وبناءا ومفيدا لإغناء خبرات البشر، وتعزيز معارفهم وأفهامهم. ولكن الذي يحدث في واقع الحياة، وفي سياق الفعل الإنساني هو كثيرا ما يُحول الاختلاف المشروع إلى خلاف ونزاع ثم إلى صرعات وحروب وقتل وتدمير. وعندما تغيب البوصلة، ويغيب النور الذي يكشف طريق الحق، يصبح الصراع وديناميكياته القاتلة هي الحاكمة لحركية الحياة ومساراتها، ويبدو وكأن العالم كله يتصارع ويتقاتل، ويستخدم أدوات الصراع الرهيبة والقاتلة مثل: الأسلحة الفتاكة، والحروب، والفوضى الخلاقة، والتخويف النفسي، والقهر الصراعي...وغيرها.
والملاحظ اليوم في واقع الحياة، وفي مسيرة المجتمع الإنساني بعد أن دخل لحظة العولمة، وعصر العالمية أن منطق الصراع وآلياته -والتي تتحكم فيها القوى الكبرى - تقوم بتفكيك العالم، وإعادة تركيبه من جديد وفقا لمقولات النموذج الحضاري الغالب. وكل من لا يسير وفق هذا النموذج يعتبر معاديا ومخالفا ومتخلفا وعائقا على طريق عولمة العالم، وإدخاله في عالم النموذج الغربي الليبرالي المهيمن. إن انتشار منطق الصراع بحركيته المدمرة التي تنفي بطبيعتها منطق التكريم والإحترام، وإشارك الجميع في تسيير شؤون العالم، هو الذي يحتم على المسلم اليوم تجديد فعاليته من أجل المساهمة في إنقاذ الحضارة الإنسانية من هذه الفوضى الخلاقة. إن الإنسانية اليوم بأمس الحاجة إلى فلسفة المسلمين في التواصل والتفاعل والتعارف.