فهرس الكتاب
ولما كان اتجاه التصادم والصراع الحضاري حاضرا دوما في نظرة الإمبراطوريات والحضارات الاستعمارية، وفلسفتها وأنشطتها وأفعالها مع الآخر، فإن دين الإسلام الذي يدعو إلى التعارف الحضاري التكريمي لكل البشر يقدم لنا بديلا موضوعيا وأخلاقيا لفكرة التصادم الحضاري ومنطق الصراع الفتاك الذي لا يعير للقيم والأخلاق أية قيمة أو مكانة في عالم الصرع. إن الإسلام وبواقعيته المتوازنة والأصيلة لا يريد أن يرسم للعالم صورة عالم ملائكي لا فساد ولا اقتتال ولا نزاع فيه مثل اليوطوبيات القديمة، ولا يدعو إلى فتح العنان أمام الفساد والاقتتال والصراع والتصادم القاتل. فالإسلام يقر بطبيعة الإنسان المزدوجة التي تحمل قابليات الخير والشر معا، ويقر بضرورة الاختلاف بين الناس، ويقر بأن الإبتلاء لا يتم على وجوه الحقيقي إلا في ظل التفاعلات الإنسانية التي تعكس توجهات الناس من أكثرها خيرية وقصدية وأخلاقية إلى أسوأها شرية وصراعا وفتكا، ويقر أن من البشر من سينزع إلى سفك الدماء والفساد والظلم، وكذلك من سيتوجه إلى الخير والصلاح والإحسان. وهذا الوضع هو الذي يؤدي إلى المواجهات والاستجابات السلبية والإيجابية للناس على حسب رؤاهم الكونية وتصوراتهم الدينية وتوجهاهم الحضارية. ففي ظل هذا الوضع وهذه الطبيعة الإنسانية ولكي يضع الإسلام طاقة الناس في موقعها الصحيح، ولا يغمطها حقها في التواصل والتفاعل، ولكي يخفف من الأثار القاتلة لمنطق الصراع والتصادم والقتل وسفك الدماء يدعو الإسلام إلى فكرة"التدافع الحضاري". والإسلام يدعو إلى"التدافع الحضاري"كبديل عن منطق التصادم والصراع المهلك الذي لا يضبطه ضابط، ولا تحكمه قيم وغايات إلا البحث عن المصالح والقوة والهيمنة، وتحقيق الهدف الذاتي مهما كانت النتائح. ويمكن أن ننطلق في تحديد المقصود من التدافع الحضاري من التعريف الآتي:"التدافع كآلية سُننية لتحقيق المقاصد التربوية والاجتماعية"