فهرس الكتاب
... في ضوء هذه الآيات يمكن الحديث عن رؤية إسلامية واضحة في التفاعل والتواصل مع الآخر سواء في أوقات السلم أو في أوقات الحرب. إن مفهوم"التدافع الحضاري"الإسلامي يؤسس لمنهج أخلاقي منضبط في منع وصول نزعات الناس وتفاعلاتهم إلى لحظات ومراحل الفساد والهدم الذي تضيع بموجبه مصالح الناس وتسفك الدماء، ويستشري الظلم والقتل في حياتهم. فالتدافع الحضاري الإسلامي كبديل لفلسفة التصادم الحضاري ومنطق الصراع الحضاري يبين لنا أن العلاقات والصلات مع الآخر ينبغي أن تُحكم بسنن التدافع الربانية، وإن هدف هذه السُنن هو إخراج الناس عن توجيه طاقاتهم للصراع والصدام غير المشروع والذي لا تحكمه قيم ولا أخلاق. فالدفع أو التدافع في الإسلام ينبغي أن يحكم بضابطين على الأقل، أولا: منع الفساد والهدم، وثانيا: بالإحسان وبالتي هي أحسن. فالغاية هي منع الفساد والمنهج هو بالتي هي أحسن. وفي هذين الضابطين تكمن حقيقة نظرية التدافع الحضاري في الإسلام، وتتجسد كل القيم الأخلاقية التي تحكم صلة المسلم بالآخر. فالمسلم في صلته مع الآخر في لحظات السلام والسلم عليه أن يتدافع معه من أجل منع الفساد والهدم، وبالإحسان، وكذلك في لحظات الحرب، والاقتتال، والصدام، والنزاع عليه أن يمارس التدافع المنضبط من أجل وقف الفساد والهدم ويمارسه بالتي هي أحسن. وخير دليل نقدمه في تدافع المسلمين مع الآخر في أوقات الحرب والنزاع هو أخلاقيات الحرب، وحقوق الأسير، وحرمة دماء الأبرياء وضرورة المحافظة على الأرض والعمران والشجر وغيرها في أثناء التصادم والتقاتل. فإستنادا إلى نظرية صدام الحضارات وصراعها يصبح القانون الغالب هو الإلغاء والإفناء لكل شيء من أجل النصر وقهر الطرف الآخر، ولكن بناء على نظرية التدافع الإسلامي، فإن كل حركة أو سكنة أو قرار أو موقف إزاء الآخر ينبغي أن يضبط بالشرع ويُحكم بأخلاقيات وضوابط تحافظ على حقوق الإنسان وكرامته حتى في حالات الحرب