فهرس الكتاب
وها هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأتيه حبر من الأحبار ليقول له:"يا محمد نِعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون!"فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {سبحان الله، وما ذاك؟} قال:"تقولون إذا حلفتم: والكعبة". قالت (أي قتيلة بنت صيفي الجهنية راوية الحديث) : فأمهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، ثم قال: {إنه قد قال، فمن حلف فليحلف برب الكعبة} . قال:"يا محمد، نِعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندا!"قال: {سبحان الله، وما ذاك؟} قال:"تقولون ما شاء الله وشئت". قالت: فأمهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، ثم قال: { إنه قد قال، فمن قال: ما شاء الله، فليقل بينهم: ثم شئت} (1) . انظر كيف استمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الحبر، واستفاد من انتقاداته بكل تواضع واحترام.
وانظر إلى الحوار الدائر بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وقومه من قريش بالحديبية، وما أثمره هذا الحوار من صلح فتح بابا جديدا لإبلاغ الحق ونشر هذا الدين في جزيرة العرب بسرعة لم يسبق لها مثيل، وكان فتحا مبينا فتح الله بعده مكة المكرمة.
وجاء في قصة أبي هريرة مع الشيطان الذي أراد أن يسرق منه (ينقل من البخاري) . وأخذًا بقول الحق يقول ابن تيمية:"لا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني - فضلا عن الرافضي- قولا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل" (2) . وقال في موضع آخر:"وليس مما أمر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا مما يرتضيه عاقل أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء، وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم..." (3) .
(1) أخرجه أحمد في مسنده، والحاكم في صحيحه، وصححه.
(2) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية2/ 342.
(3) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل 9/207.