فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 764

فقد قضت حكمة الله تعالى منذ الأزل، أن يعمر هذه الأرض، ويخلق فيها الإنسان، فلما أخبر ملائكته بذلك، استشفوا من خلال علمهم بأسرار خلقه، وما استودع فيه من ميزات وملكات، أنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، فقالوا كما حكى القرآن الكريم ذلك عنهم:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدِّس لك ... (1) "فقد أدركوا من خلال علومهم النورانية، حول طبائع هذا المخلوق وتكوينه الجسدي والعقلي والنطقي، أنه قابل لفعل الخير والشر على السواء، وهذا يمكنه من الخروج من الطبع إلى الاكتساب، ومن الطاعة إلى المعصية ، ويدفعه للتفكير بالنفع والضر، والصلاح والفساد، وهذا الاختلاف القائم في النفس البشرية من حيث المستودعات التكوينية -خاصة الفكرية منها- تؤدي إلى اختلاف الناس حول أمور كثيرة وخطيرة، مثل المفاهيم التي سبقت الإشارة إليها، مما يستدعي تنظيم حوارات حولها بين الناس يتولى كل طرف عرض ما لديه من فكر على الطرف الآخر، بأسلوب حكيم، وكلمة طيبة، وحجة ظاهرة بعيدا عن التعصب والشجار، والعنف وسفك الدم، الذي يشكّل أكبر مظهر للإفساد في الأرض .

وتحقيقا لمبدأ الحوار بين الناس، خصَّ الله تعالى هذا الإنسان بنعم عظيمة، تمثلت في نعمة العقل واللسان ونعمة الرسالة، فبواسطة العقل واللسان يستطيع الإنسان أن يناقش غيره، ويحاوره في أموره، ويشرح قضاياه، ويبين معتقداته، ويدلّل على أحقيتها، ويدافع عنها، ومن خلال هذا الحوار قد تتوصل الأطراف إلى الاتفاق، وقد يبقى الاختلاف في وجهات النظر قائما .

(1) - البقرة: 30

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت