ويظهر لنا من خلال استعراضنا لتاريخ تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم لرسالته، أن أشراف قريش طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطرد فقراء المؤمنين، من أمثال بلال وصهيب وعمار وخباب وابن مسعود إذا كان يطمع في إيمانهم، أو أن يجعل لهم مجلسا خاصا، غير مجلس هؤلاء الفقراء، لأن جبابهم تفوح منها روائح منتنة تؤذي أولئك السادة من قريش، فأنزل الله تعالى قوله لرسوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين" (1) .
ويبدو لنا كذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدَّم له سادة قريش هذا العرض، طمع في إيمانهم، فحدثته نفسه بما طلبوا إليه، فأنزل الله تعالى إليه قوله تعالى:"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ..."الآية . وفي هذا المعنى قال ابن عطية:
"سبب هذه الآية أن عظماء الكفار قيل: من أهل مكة، وقيل: عيينة بن حصن وأصحابه، والأول أصوب، لأن السورة مكية، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك، يريدون عمار بن ياسر وصهيب بن سنان وسلمان الفارسي وابن مسعود وغيرهم من الفقراء كبلال ونحوه، وقالوا: إن ريح جباتهم تؤذينا، فنزلت الآية بسبب ذلك. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم، وجلس بينهم، وقال: الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه ... وروى سلمان أن المؤلفة قلوبهم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذويهم قالوا ما ذكر فنزلت الآية في ذلك" (2) .
(1) الأنعام: 52 .
(2) المحرر الوجيز لابن عطية: 3 / 512 .وانظر أسباب النزول للوا حدي: 171 .