والرجل الكافر في قصتنا، يشكّل نموذجًا متكررًا لطائفة من الناس فتنها المال، وبهرتها زينة الحياة الدنيا، فزاغ بصرها، وعميت بصيرتها ، لأن تلك الزينة تعدُّ أكبر مظاهر الابتلاء والاختبار للنفس البشرية، وهذه الحقيقة صرَّحت بها سورة الكهف في بدايتها، حيث قال تعالى:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا" (1) ، ونتيجة لهذا الابتلاء تتميز مواقف الناس أمام زخرف الحياة الدنيا، فالنفوس الضعيفة سرعان ما تتهاوى أمام تلك الزخارف، وتنشغل بها حتى تنسى فضل الله عليها، وتنسب ما هي فيه من نعمة إلى قوتها وعلمها وعبقريتها، ويقف على رأس هذه الطائفة الجاحدة لفضل الله عليها قارون، فعندما نصحه المؤمنون من قومه، وذكروه بفضل الله عليه، قائلين له:"لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين" (2) ، قال:"إنما أوتيته على علم عندي ..." (3) وهذا الموقف تكرر من الرجل صاحب الجنتين في قصتنا الذي قال لصاحبه المؤمن عندما نصحه:"أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا" (4) وهذا الموقف يتكرر في كل الأزمان ومن كل الأجيال طالما أن هناك أشخاص مفتونون بزخارف الدنيا، وأما المؤمنون الذين أحكموا صلتهم بالله، وأدركوا حقيقة الغاية التي أرسلوا لتحقيقها، وعرفوا طبيعة الامتحان الذي يخضعون له،- خاصَّة فيما يتعلق بمتاع الحياة الدنيا- فهؤلاء ينظرون إلى ذلك المتاع أنه وسيلة مُسَخَّرة لغايتهم الكبرى، وهي تحقيق العبودية الحقيقية لله تعالى، ومن هنا فإنهم لا يفتنون بها، ويرون فيها فضلا من الله عليهم، يستدعي حمدًا وشكرا.
(1) -الكهف: 7 .
(2) - القصص:76- 77 .
(3) - القصص 78 .
(4) - الكهف: 24 .